360

وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا

[البقرة: 135] لأن الجملة كلها مقولة والقائل نوعان، فرد كل قول لمن ناسبه ".

وقد حكاه أيضا الألوسي في تفسيره ولم يتعقبه إلا بقوله: " وهو تأويل لا تفسير " بعدما نسبه إلى الغرابة.

وما أجدر هذا الكلام بالاستغراب! فإن الجملة الحالية مرتبطة بما قبلها بحيث لا يصح استقلالها دونها لفظا ولا معنى، فلا يتأتى أن تكون وحدها جوابا ممن صدرت عنه لقوله تعالى: { إني جاعل في الأرض خليفة } ، وقد حكاها الله مع ما قبلها عازيا ذلك كله إلى الملائكة فكيف يصح لنا أن نعزو بعضه إلى طائفة وبعضه إلى طائفة أخرى؟ وانفصال طائفة عن طائفة بعدما كانت مندرجة فيها لا يسوغ فصل الكلام الصادر منهما معا قبل الانفصال، ولا يصح أن يناظر ما هنا بما في قوله تعالى: { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } لجواز استقلال كل واحد من طائفتي اليهود والنصارى بالدعوة إلى ملتها وذلك هو الواقع والمراد من هذا الحكي عنهم، ولم يكونوا مندمجين من قبل حال صدورهم هذا القول عنهم ثم استقل بعضهم عن بعض فأعطي كل فريق من الحكاية ما يلائمه.

وقولهم هذا ينطوي على تعريض بأنهم أجدر بالاستخلاف، فإن الدائب على التسبيح بحمد الله والتقديس له أنزه وأطهر ممن يتلوث بالفساد وتصدر منه المعاصي وانتهاك الحرمات، ومن المعلوم أن الحكمة من الاستخلاف عمارة الأرض وما ذكر من الافساد فيها وسفك الدماء أمر ظاهره مناف لهذه الحكمة واستظهر الفقهاء من هذا القول جواز ترشيح الإنسان نفسه لوظيفة يرى أنه أقدر على حمل أعبائها من غيره، واستدلوا لذلك أيضا بما حكاه الله عن يوسف الصديق عليه السلام من قوله لملك مصر:

اجعلني على خزآئن الأرض إني حفيظ عليم

[يوسف: 55].

وذكر الإمام ابن عاشور وجها آخر لقولهم: { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } وهو أن يكونوا أرادوا به تفويض الأمر إلى الله واتهام علمهم فيما أشاروا به كما يفعل المستشار مع من يعلم أنه أسد منه رأيا وأرجح عقلا فليشير ثم يفوض، كما قال أهل مشورة بلقيس إذ قالت:

أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون

[النمل: 32] فأجابوها بقولهم:

صفحه نامشخص