359

قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير

[البقرة: 260] وقد جاء في سورة الشعراء من ذلك عشرون موضعا في قصة موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام في إرساله إلى فرعون ومحاورته معه، ومحاورة السحرة إلى آخر القصة دون ثلاثة جاء منها اثنان جوابا وواحد كالجواب، ونحو هذا في القرآن كثير ".

واختلف في هذا الاستفهام في قولهم: { أتجعل فيها } الآية، قيل هو تعجبي محض، وذلك أنهم عجبوا من جعل الله في الأرض خليفة يمكن فيها وهو يفسد فيها ويسفك الدماء مع ما هم عليه من ملازمة عبادته تعالى بالتسبيح بحمده والتقديس له، وذلك أنهم عليهم السلام تبادر لهم أن الحكمة تقتضي استخلاف من طبع بطبعهم لا النوع الذي ركز في طبعة من الأسباب ما يدعوه إلى الفساد وأعطى من القوة في خلقه ما يمكنه منه، وقيل إن الاستفهام على حقيقته، وأنهم أرادوا به استجلاء ما خفي عليهم من حكمة الله سبحانه في هذا الأمر، واستبعاد الشبهة التي خطرت لهم، وذلك أنهم علموا أن أفعال الله كلها لا تخلو من الحكم، فتطلعوا إلى حكمته في هذا الخبر الذي ألقاه إليهم، ويبعد هذا القول قولهم من بعد { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } ، وقيل هو على بابه غير أنه أشرب معنى التعجب والاستبعاد من أن تتعلق حكمة الله بذلك، وعليه فقد كنوا بالاستفهام عما هم متلبسون به من الدهشة والاستغراب طالبين بذلك إزالتهما بما لا يدع لبسا في نفوسهم ، وقيل: إن الاستفهام على بابه والمراد به اكتناه حقيقة المجعول في الأرض خليفة هل هو من جنس الذين يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، أو من جنس المصلحين، وعليه فالمعادل محذوف تقديره أم من يصلح فيها، ويرد هذا القول أيضا ما حكاه الله عنهم من بعد من قولهم: { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } [البقرة: 30] وقيل: إن الاستفهام واقع على قولهم: { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } أي هل نحن نبقى على هذا التسبيح والتقديس مع وجود خليفة في الأرض يفسد فيها ويسفك الدماء، أو ننتقل عن حالتنا هذه إلى حالة أخرى، والتكلف فيه ظاهر، ودخول الاستفهام على الجعل دليل على أنه هو المستفهم عنه دون غيره، وأعدل هذه الأقوال أن الاستفهام على بابه وإنما أشرب معنى التعجب، ومثله وارد في كلام العرب وهو لا ينافي عصمة الملائكة من الزلل، فإنما كان هذا الاستفهام منهم بعد خطاب الله لهم الذي آذنهم فيه بأنه جاعل في الأرض خليفة ولا ريب أنهم كانوا مدركين لما سوف يصدر من هذا الجنس المستخلف من أنواع الفساد في الأرض وهم قد فطروا على صفاء السرائر وسلامة النفوس.

وصدق الحديث، وقد فهموا من توجيه هذا الخطاب إليهم أنهم مطالبون بأن يبدوا ما في طوايا نفوسهم تجاه هذا الخبر وهم قد خامرهم منه العجب فلا غرو أن أجابوا بما أجابوا به مما ينم عن استغرابهم لهذا الأمر وطلب كشف الحكمة لهم من ورائه.

واختلف في سبب معرفتهم أن من شأن هذا الجنس المستخلف الإفساد في الأرض وسفك الدماء فيها؛ قيل: إنهم علموا ذلك بإعلام الله لهم، وهو مروى عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما، فقد أخرج ابن جرير عنهما وعن ناس من الصحابة أن الله تعالى قال للملائكة: { إني جاعل في الأرض خليفة } [البقرة: 30] قالوا ربنا وما يكون ذلك الخليفة، قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا، وقيل: إنهم عرفوا ذلك بعد أن قرأوه مكتوبا في اللوح المحفوظ، وقيل: عرفوه بقياس الجنس البشري على الأجناس التي كانت تعمر الأرض من قبل فأفسدت فيها وسفكت الدماء، وقيل إنهم فهموا ذلك بنظرهم إلى أحوال الإنسان الفطرية، فهو ذو إرادة واسعة واختيار واسع، وعلمه لا يحيط بجميع وجوه المصالح والمنافع فإذا ما عنت له أعمال متعارضة واحتاج إلى الترجيح بينهما ربما انساق في ترجيحه إلى غير الصالح النافع لقصور علمه.

ولم يأت في الباب شيء مرفوع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وغالب ما قيل مبني على التخمين، والأولى أن يوكل الأمر في ذلك إلى الله سبحانه مع احتمال كبير لأن يكونوا فهموا ذلك من طبيعة فطرة الإنسان، فهو كما قيل ذو إرادة تمكنه من الخروج عن الجبلة إلى الاكتساب، وفي نفسه قوى متعارضة أهمها العقل والشهوة والغضب، وقد تدعو الشهوة - كما هو شأنها - إلى الانسياق وراء الفساد وعدم المبالاة بما يترتب على هذا الإنسياق من مضار بالغة بالنفس أو الغير، كما يدفع الغضب إلى الانتقام من الغير انتقاما لا حدود له، والعقل وإن كان له سلطان على صاحبه فإن سرعان ما يضعف ويتزلزل أمام عواصف الشهوة والغضب فهما قوتان مؤثرتان على النفس المجبولة على الرغبة فيما تتطلبانه، وماذا عسى أن يصنع العقل وإذا عشيته غواشيهما من كل جانب فصار كنور الذبالة بين الزوابع الهوجاء، ولا غرو في معرفة الملائكة بذلك، فإنهم ذوو نفوس زكية، وأرواح قدسية لا يستغرب معها أن يعرفوا طبيعة الشيء باطلاعهم على طريقة تكوينه غير أنهم مع ما جبلوا عليه من الصفاء النفسي لا يحيطون بشيء من علم الله إلا بما شاء، فقد فاتهم أن الله عز وجل سيستصفى من هذا الجنس المستخلف عبادا متقين أخيارا يعملون بأمره، ويقفون عند حكمه، ويسخرون ما آتاهم الله تعالى من قوى جسمية وروحية في طاعته التي يقتضيها خلقهم واستخلافهم في الأرض، وأن مواهبهم العقلية ستقوى - بهداية الله - فتسخر قواهم الغضبية والشهوانية فيما تتطلبه هذه الخلافة.

وقد سبق معنى الإفساد وهو هنا شامل لجميع المعاصي فإنها إما مضرة بالنفس أو بالغير، وذلك مناف لما تتطلبه الخلافة من التعمير الحسي والمعنوي للأرض، وعطف سفك الدماء عليها من باب عطف الخصوص على العموم لبيان جدارته بالاهتمام والعناية، كما في قوله تعالى:

حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى

[البقرة: 238] وهذا أولى من تفسير بعضهم الإفساد بالشرك، وجعل سفك الدماء رمزا إلى المعاصي العملية لأنه أفحشها، والسفك الصب والإراقة كالسفح، وإنما يستعمل السفك في إراقة الدم دائما، والسفح يكون غالبا في الدم، وقد يكون في غيره، ولا يدل قولهم هذا على عدم عصمتهم من الذنوب، فإنهم كما علمت ما أرادوا إلا الإطلاع على حكمة الله من وراء هذا الأمر، وقد فهموا أنهم مطالبون بأن يفصحوا عما في قرارة نفوسهم والمستشار مؤتمن فلم يجدوا مناصا عن القول الذي قالوه.

والواو في قولهم { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } للحال، وقد صدرت هذه الجملة من كل الملائكة الذين قالوا: { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } [البقرة: 30] خلافا لما حكاه أبو حيان في البحر عن صفي الدين أبي عبد الله الحسين ابن الوزير علي بن أبي منصور الخزرجي أنه قال في كتاب فك الأزرار " ظاهر كلام الملائكة يشعر بنوع من الاعتراض وهم منزهون عن ذلك، والبيان أن الملائكة كانوا حين ورود الخطاب عليهم مجملين، وكان إبليس مندرجا في جملتهم، فورد منهم الجواب مجملا، فلما انفصل إبليس عن جملتهم بإبائه وظهور إبليسيته واستكباره انفصل الجواب إلى نوعين، فنوع الاعتراض منه كان عن إبليس، وأنواع الطاعة والتسبيح والتقديس كان عن الملائكة، فانقسم الجواب إلى قسمين كانقسام الجنس إلى جنسين، وناسب كل جواب من ظهر عنه ". وقد اعجب هذا الكلام أبا حيان فقال فيه: " وهو تأويل حسن، وشبهه بقوله تعالى:

صفحه نامشخص