357

الأولى: أن الله تعالى في عظمته وجلاله يرضى لعبيده أن يسألوه عن حكمته في صنعه وما يخفى عليهم من أسرار خلقه، ولا سيما عند الحيرة، والسؤال يكون بالمقال ويكون بالحال، والتوجه إلى الله تعالى في استفاضة العلم بالمطلوب من ينابيعه التي جرت سنته تعالى بأن يفيض منها (كالبحث العملي والاستدلال العقلي، والإلهام الإلهي)، وربما كان للملائكة طريق آخر لاستفاضة العلم غير معروف لأحد من البشر، فيمكننا أن نحمل سؤال الملائكة على ذلك.

الثانية: إذا كان من أسرار الله تعالى وحكمه ما يخفى على الملائكة، فنحن أولى بأن يخفى علينا، فلا مطمع للإنسان في معرفة جميع أسرار الخليقة وحكمها، لأنه لم يؤت من العلم إلا قليلا.

الثالثة: أن الله هدى الملائكة في حيرتهم وأجابهم عن سؤالهم لإقامة الدليل بعد الإرشاد إلى الخضوع والتسليم، وذلك أنه بعد أن أخبرهم بأنه يعلم ما لا يعلمون علم آدم الأسماء ثم عرضهم على الملائكة كما سيأتي بيانه.

الرابعة: تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عن تكذيب الناس ومحاجتهم في النبوة بغير برهان على إنكار ما أنكروا، وبطلان ما جحدوا، فإذا كان الملأ الأعلى قد مثلوا على أنهم يختصمون ويطلبون البيان والبرهان في ما لا يعلمون، فأجدر بالناس أن يكونوا معذورين، وبالأنبياء أن يعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين، أي فعليك أيها الرسول أن تصبر على هؤلاء المكذبين، وترشد المسترشدين، وتأتي أهل الدعوة بسلطان مبين. وهذا الوجه هو الذي يبين اتصال هذه الآيات بما قبلها، وكون الكلام لا يزال في موضع الكتاب وكونه لا ريب فيه، وفي الرسول وكونه يبلغ وحي الله تعالى ويهدي به عباده، وفي اختلاف الناس فيهما.

وقد سبق ذكر وجه ارتباط هذه القصة بما سبقها من الآيات، وهو أن تكريم الانسان بمنصب الخلافة في الأرض ينسجم ذكره مع ما سلف من تذكير الإنسان بآلاء الله الواسعة التي من بينها خلق جميع ما في الأرض له، وتسوية السماوات السبع بما أودع الله فيها من نظام يربط بها الأرض، وهذا الوجه في نظري أجدر بأن يعتد به في مراعاة التناسب بين الآيات مما ذكره الإمام لوضوحه، وهو لا ينافي ما ذكره من كون الكلام لا يزال يدور حول رسالة الرسول وصدق الكتاب الذي أنزل عليه. وبعدما حكى الله قوله للملائكة حكى جوابهم له، ومن المعلوم أن قولهم مترتب على قوله لهم غير أنه لم يوصل به بالفاء الترتيبية، وهذا الفصل - عند أكثر علماء التفسير - لأجل ملاحظة تساؤل من السامع، فعندما يسمع أحد حكاية هذا الإعلان الإلهي الموجه إلى عباده المكرمين فإن من شأنه أن يتطلع إلى ما يكون من جوابهم، فلسان حاله يقول كيف أجابوا ربهم، فيقال له: { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } [البقرة: 30] وخالفهم في ذلك ابن عاشور حيث قال: " فصل الجواب ولم يعطف بالفاء أو الواو جريا على طريقة متبعة في القرآن في حكاية المحاورات، وهي طريقة عربية، قال زهير:

قيل لهم ألا اركبوا ألاتا

قالوا جميعا كلهم ألافا

أي فاركبوا، ولم يقل فقالوا، وقال رؤبة بن العجاج:

قالت بنات العم يا سلمى وإن

كان فقيرا معدما قالت وإن

صفحه نامشخص