356

وشعور الإنسان بأنه خليفة الله في أرضه يجعله يحس أولا بمكانته عند الله وعظم منته تعالى عليه، وثانيا بثقل حمله وعظم مسؤوليته، وهذا الشعور يستلزم تحري مرضاة الله تعالى في كل أمر واستلهام منهج الحياة منه سبحانه في الفعل والترك، والأخذ والرد، والعطاء والمنع، فإن من شأن الاستخلاف أن لا يتجاوز الخليفة الحدود التي رسمها له من استخلفه، وأن لا يخرج عن إطار وظيفته، ولا ريب أن الأرض أرض الله، وما فيها هو ملكه، والناس المستخلفون ما هم إلا وكلاء وأمناء من قبله تعالى، لا يحق لهم أن يتصرفوا مطلق التصرف فيما وكلوا فيه وائتمنوا عليه بل يلزمهم أن يرجعوا كل شيء إلى حكم مالك الأمر الذي حملهم هذه الأمانة وشرفهم باختيارهم لها، وهذا الذي يوحيه قوله تعالى في المال:

وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه

[الحديد: 7] وقوله:

وآتوهم من مال الله الذي آتاكم

[النور: 33].

ولئن قيل ما هي الفائدة من إعلام الله الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة مع أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا تبديل لكلماته، وهو غني بواسع علمه عن آراء خلقه؟

فالجواب عن هذا السؤال انه سبحانه أراد أولا تعريفهم بقيمة هذا النوع من الخلق، وفضله على من عداه بما اختصه الله تعالى به، ورفع ما عسى أن يحدث في صدورهم من الحيرة والاستغراب بسبب تكريم الله لهذا النوع بتبوئته هذا المقام، فإنهم لو فوجئوا بوجود الإنسان على عرش الخلافة مع ما يعلمونه في طبعه من النقص لكان ذلك داعيا إلى تراكم الاستغراب في صدورهم، واستيلاء الحيرة على عقولهم، فكان هذا الإعلام طريقا إلى دركهم حقيقة الأمر بعدما يحدث بينهم وبينه تعالى من سؤال وجواب، وأراد ثانيا تكريم ملائكته بعرض هذا الخبر عليهم في صورة الاستشارة منه لهم، فهو تعليم في إطار التكريم، وفي هذا الإنباء سن للاستشارة بين الخلق، فإن الله جل شأنه - وهو العليم بطوايا الخفايا، والغني بكماله عن كل شيء - وجه هذا الخطاب إلى ملائكته كالمستشير لهم، فما بالكم بالمخلوقين، وكل أحد منهم متلبس بصفات النقص، لا يعرف من الأمور إلا ظواهرها، كيف يستغنى بعضهم عن استشارة بعض؟ ولعله لا يستبعد أن يكون الأمر كما قال ابن عاشور، وإليكم نص كلامه:

" وعندي أن هذه الاستشارة جعلت لتكون حقيقة مقارنة في الوجود لخلق أول البشر حتى تكون ناموسا أشربته نفوس ذريته، لأن مقارنة شيء من الأحوال والمعاني لتكوين شيء ما تؤثر تآلفا بين ذلك الكائن وبين المقارن، ولعل هذا الاقتران يقوم في المعاني التي لا توجد إلا تبعا لذوات مقام أمر التكوين في الذوات، فكما أن أمره إذا أراد شيئا أي إنشاء ذات أن يقول له كن فيكون، كذلك أمره إذا أراد اقتران معنى بذات أو جنس أن يقدر حصول مبدأ ذلك المعنى عند تكوين أصل ذلك الجنس، أو عند تكوين الذات، ألا ترى أنه تعالى لما أراد أن يكون قبول العلم من خصائص الإنسان علم آدم الأسماء عندما خلقه.

وهذا هو وجه مشروعية تسمية الله تعالى عند الشروع في الأفعال ليكون اقتران ابتدائها بلفظ اسمه تعالى مفيضا للبركة على جميع أجزاء ذلك الفعل، ولهذا طلبت منا الشريعة تخير أكمل الحالات وأفضل الأوقات للشروع في فضائل الأعمال ومهمات المطالب ".

وإيراد هذه القصة ينطوي على فوائد أخرى، ذكر منها الإمام محمد عبده أربع فوائد:

صفحه نامشخص