355

[الأعراف: 74] وقوله عز وجل بعد أن ذكر إهلاك القرون من قبل بظلمهم وتكذيبهم رسلهم:

ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون

[يونس: 14].

وقد أشكل على كثير من الناس جعل جميع الجنس البشري خلفاء في الأرض عن الله سبحانه مع كثرة الكفار والفجار فيهم، وندرة الصالحين الأبرار بينهم، وهذا الإشكال ناتج عن عدم فهم المراد بالخلافة، فالخلافة ليست جزاء على عمل يعمله الإنسان فحسب كما يجازى المؤمنون بالتمكين في الأرض، بل كثيرا ما تكون ابتلاء من الله سبحانه لينظر ما يقوم به هذا المستخلف، ولا فارق بين الخلافة والأمانة، فإن أمانة الله في رقاب جميع عباده برهم وفاجرهم.

كما يقتضيه قوله تعالى:

إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا

[الأحزاب: 72] وبهذا يتضح أن مسؤولية هذه الخلافة هي في أعناق جميع المكلفين، وإنما اختلافها في الخفة والثقل بحسب ما يكون للإنسان من تمكين، فمن كان أكثر تمكينا كان أثقل حملا وأفظع مسؤولية.

مظاهر الاستخلاف

ومن مظاهر هذا الاستخلاف ما أوتيه الناس في هذه الدنيا من قوة التسخير لما في الأرض حسب منافعهم، وتطورهم في ابتكار الصناعات العجيبة، واستخدام الآلات الغريبة فيما يعود عليهم بالمنفعة ويزيد الأرض عمارة، وليس ذلك محصورا في المؤمنين وحدهم، بل نجد في عصرنا غيرهم أكثر براعة فيه وأرسخ قدما وأقوى يدا بسبب تخلف المسلمين عن اتباع مراشد دينهم، وتنفيذ أوامر ربهم، وهل من الممكن أن يقال مع ما نراه من التمكين لغير المسلمين إن الخلافة محصورة في المتقين الأبرار وحدهم؟ ومما يزيد ما قلته وضوحا أن هذا الرأي هو الذي يقتضي التناسب بين هذه الآية وما مر قبلها من تذكير الناس بأن الله خلق لهم ما في الأرض جميعا، والخطاب فيما مر لم يكن للمؤمنين وحدهم، بل هو موجه بالأصالة إلى الكفار الذين نعى الله عليهم كفرهم مع وفرة آلائه عليهم وظهور آياته لهم.

ولا يستلزم الاستخلاف حلول الخليفة مكان من استخلفه بعد فناد المستخلف أو انتقاله حتى شكل أن يكون آدم وذريته خلفاء الله في أرضه مع تعالي الله عن الزمان والمكان، وعن مشابهة خلقه في أي صفة من صفاتهم، بل يكفي في تحقق الاستخلاف تمكين المستخلف لخليفته من أمر لم يكن بإمكانه أن يتمكن منه بدونه، وإباحة التصرف له فيه تصرفا يستمد شرعيته من هذا التمكين.

صفحه نامشخص