353

ذهب فريق من المفسرين إلى أن المراد بخلافة آدم كونه خلف مخلوقات عمرت الأرض من قبله ثم أبادها الله بسبب إفسادها، واستند هؤلاء إلى جواب الملائكة لله تعالى حيث قالوا: { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } [البقرة: 30] وذلك أنهم - حسب زعم هؤلاء القائلين - قاسوا آدم وذريته على تلك المخلوقات التي سفك بعضها دم بعض، وأشاعت الفساد في الأرض فكان هذا الجواب منهم، وقد قيل إن هذا القول سرى إلى المسلمين من أساطير الفرس، وليس ذلك ببعيد فإن الفرس كانوا يزعمون أن الجنس البشري مسبوق في عمارة الأرض بخلائق كانت تمسى الطم والرم، ولهذين الاسمين وجود في بعض المؤلفات القصصية في الإسلام، وهو دليل هذا السريان، ولا يبعد أن يكون ساريا إليهم من خرافات اليونان الذين كانوا يزعمون وجود خلائق في الأرض قبل البشر تدعى التيتان.

وقالت طائفة أريد بخلافته أنه يخلف الملائكة الذين كانوا في الأرض بعد أن حاربوا الجن فيها وألجأوهم إلى جزائر البحر وقلل الجبال، وذلك أنهم زعموا أن الأرض كانت معمورة بالجن فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فأرسل الله إليهم إبليس مع مجموعة من الملائكة يدعون الجن أيضا فقاتلوهم حتى ألجأوهم ألى جزائر البحر وأطراف الجبال، وسكنت هذه المجموعة من الملائكة الأرض إلى آخر ما جاء في القصة، وقد نسب هذا التفسير إلى جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم كما أورده ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما، ويظهر لي ان هذه القصة مما تلقاه المفسرون عن أهل الكتاب من أساطير التي اختلطت بخرافات اليونان، وقد راقت لبعضهم فعزاها إلى من عزاها إليه من الصحابة.

وقيل هي خلافة آدم لمن كان قبله من الجن في الأرض، وقيل هي خلافته عن الله سبحانه من حيث القيام بتدبير شئون الحياة على هذه الأرض وسيأتي إن شاء الله مزيد إيضاح لهذا المعنى.

وقيل إن هذا الخلافة ليست لآدم وحده بل له ولذريته، وهو الذي يقتضيه قوله تعالى:

وهو الذي جعلكم خلائف الأرض

[الأنعام: 165] وقوله:

ويجعلكم خلفآء الأرض

[النمل: 62] وقوله لداود:

يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض

[ص: 26] وعليه فهل المراد بهذه الخلافة ما تقدم ذكره من خلافة الجنس البشري عن الجن، أو الملائكة فيها، أو خلافتهم عن الله سبحانه بتدبير شئون الحياة الأرضية، أو كونهم يخلف بعضهم بعضا، فكل قرن خالف لما قبله؟ وعلى هذا الأخير يتوجه في الخليفة أن يكون بمعنى الخالف وبمعنى المخلوف، فإن كل جيل يعمر الأرض خالف لمن قبله، ومخلوف بمن بعده، والذين قالوا إنها خلافة الله في أرضه اختلفوا في خصوص هذه الخلافة بالصالحين من البشر أو عمومها للبر والفاجر منهم، واستأنس القائلون بأنها خاصة بالصالحين بقوله تعالى:

صفحه نامشخص