348

وخلق الإنسان ضعيفا

[النساء: 28].

ومن الظواهر الغريبة في الجنس البشري التفاوت الذي لا يحد بمقياس بين أفراده وهي ظاهرة إن وجدت في غيره فهي نسبية، فبينما ترى إنسانا لا ترتفع همته فوق موطئ قدميه شبرا واحدا إذا بآخر تعلو هممه حتى تسبح مع النجوم في أفلاكها، وبينما تشاهد جماعات من الناس هم أشبه ما يكونون بالحشرات المؤذية والزواحف السامة، إذا بك ترى آخرين كأنما هم طائفة من ملائكة الرحمة، وبينما تجد أحدا من الناس لا يعلو تفكيره شهوته البهيمية، وغريزته السبعية إذا بك تجد غيره يمشي على الأرض، وهو يعيش بفكره، وبصيرته مع الملأ الأعلى، وكم تجد إنسانا أضيق صدرا من سم الخياط، وآخر أوسع صدرا من رحاب الفضاء، وهذه الظاهرة إن دلت على شيء فإنما تدل على اختصاص الله سبحانه هذا الجنس من مخلوقاته بما لا يكتنه من مواهبه، وعلى أن تكوينه يتميز بطابع الاستعداد للترقي في مدارج الكمال، وإنما انحطاط الذين سفلوا يكون غالبا بسبب إيثار الدنيا والإخلاد إليها من قبل أنفسهم، وهذا الاختصاص الرباني لهذ النوع الإنساني بهذه المزية العظمى ما هو إلا مظهر من مظاهر ترشيحه لمنصب الخلافة الذي تحدثت عنه هذه الآية.

الإنسان خليفة الله في الأرض

وارتباط الكلام هنا بما سبقه واضح، ذلك لأن فيما تقدم تذكيرا للإنسان بمختلف نعم الله الجلى التي أفاضها على النوع الإنساني، ومنها خلق جميع ما في الأرض له، ثم الاستواء إلى السماء وتسويتهن سبع سماوات، وفي ذلك أيضا نعم لا تحصى لأن الأرض مرتبطة بالأجرام السماوية برباط الجاذبية كما تقدم، وبهذه التسوية أمكن للإنسان أن يستقر على الأرض، وأن يستمتع بمنافعها التي على ظهرها والتي في أعماق بطنها، وهذا التكريم الإلهي يترتب عليه ما ذكر هنا من تبوئة الإنسان لهذا المنصب الجليل، منصب الخلافة في الأرض الذي تحدثت عنه هذه الآية، وبعد هذه التوطئة الإجمالية لتفسيرها نأتي إلى تفصيل ألفاظها ومعانيها:-

(إذ) ظرف زماني دال على وقوع نسبة في الزمن الماضي مع وقوع نسبة أخرى ماضية أيضا، وذهب ابن قتيبة وأبو عبيدة معمر بن المثنى إلى أنها في هذا الموضع وما يشبهه زائدة، وهي مجازفة من القول يجب أن لا يصغى إليها في تفسير كتاب الله تعالى المنزه عن كل حشو، فإن الزيادة لا تكون إلا في كلام الذين يعييهم ترتيب الألفاظ بحسب ترتيب المعاني، فيأتون بالدخيل من القول لقصد تنميق الكلام وتزويقه، وهذا ما لا ينطبق أبدا على كلام الله تعالى الذي هو أبلغ الكلام وأصدقه، وأحسن الحديث وأصحه، وقد أجاد إمام المفسرين ابن جرير الطبري في رد هذا الزعم وتفنيد جميع شبهه، وقد حذا حذوه معظم المفسرين حتى أن القرطبي حكى اتفاقهم عليه، كما أن جماعة من أئمة العربية قاموا بدورهم في الرد على هذه الدعوى، منهم الزجاج والنحاس غير أن مما يثير الاستغراب أن ينبري أحد أئمة التفسير في العصر الحديث يعد في مقدمة مفسري هذا العصر معرفة بعلوم القرآن وأساليب البيان - وهو الإمام ابن عاشور في تفسير التحرير والتنوير - فيؤيد هذه الفكرة الواهية واقفا مع القائلين بزيادة " إذ " ، وهو أمر يدعو حقا إلى الحيرة والاستغراب، فإن عد أي كلمة مما في القرآن زائدة يعني فراعها من المعنى، وهو ينافي الإحكام الذي وصف الله به كتابه المبين، وإذا كانت زيادة الألفاظ لغير أي معنى يترفع عنها كلام بلغاء البشر فما بالكم بكلام خالق البشر الذي وهبهم ملكات البيان، والذي يبدو أن القول بزيادة " إذ " هنا ناشئ عن الحيرة، واضطراب الأفهام فيما ترتبط به صناعة ومعنى، ومثل هذا القول في الغرابة والبعد عن الصواب قول من زعم أنها بمعنى " قد ".

والقائلون بعدم زيادتها اختلفوا في إعرابها، فمنهم من جعلها على بابها - وهو الظرفية الزمانية - وجعلها متعلقة بقالوا، جوز ذلك الزمخشري، واختاره أكثر أهل التفسير حتى أن منهم - كأبي حيان - من عده الوجه الوجيه الذي لا يعدل عنه، ورده كل من أبي السعود وابن عاشور من حيث أنه يؤدي إلى أن يكون قول الملائكة المحكى هو المقصود الأساسي من القصة وذلك مستبعد لأن العبرة المستفادة منها كامنة في إعلام الله لهم أنه جاعل في الأرض خليفة، وما أجابوا به إنما هو مترتب على هذا الخطاب، وأضاف ابن عاشور إلى ذلك بأن هذا الإعراب لا يتأتى في كل موضع كما في قوله تعالى:

وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا

[البقرة: 34] فإن فاء التعقيب مانعة من جعل الظرف متعلقا بمدخولها، وأن الأظهر أن قوله: { قالوا } حكاية للمراجعة والمحاورة، على طريقة أمثاله كما سيأتي بيانه. وذهب بعضهم إلى أنها متعلقة بمحذوف تقديره ابتداء خلقكم إذ قال ربك، أو ابتدأ خلقكم إذ قال ربك، فعلى الأولى هي في موضع رفع على الخبرية، وعلى الثاني فهي في موضع نصب، وثم أقوال أخرى موغلة في الضعف، وأضعفها القول بأنها متعلقة ببشر من قوله تعالى:

وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات

صفحه نامشخص