جواهر التفسیر
جواهر التفسير
ولا توجد وثيقة تاريخية بشرية تحكي قصة بداية خلق الإنسان، وتمكينه في الأرض، ولذلك كان الذين يعتمدون على أنفسهم في استلهام ذلك متخبطين في متاهات حائرة سالكين طرائق قددا، لم تقم على مزاعمهم حجة، ولم تعززها قرينة، بل كثيرا ما يكشف الواقع العلمي عكس ما يقولون، وإنما المستند في ذلك إلى خبر الله تعالى الذي خلق الإنسان فسواه، ومن عليه فأعطاه، وهو العليم بكل شيء.
مظاهر تكريم الله للإنسان
وطبيعة هذا الكائن وفطرته مغايرتان لطبائع وفطر جميع المخلوقات الأرضية وغيرها، فقد اختصه الله بمزايا متنوعة وفواضل مختلفة، ويشير إليها قوله تعالى:
ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا
[الإسراء: 70].
ومن مظاهر هذا التكريم وأنواع هذه المزايا اختصاص الإنسان بقدرات متنوعة وملكات مختلفة هيأته للسيادة في الأرض ومكنته مما فيها من أنواع مخلوقات الله تعالى، ومن المعلوم أن من الحيوانات الأرضية ما هو أطول عمرا من الإنسان، وأقوى جسما، وأعظم حجما، وأكثر إقداما، غير أنها لم تستطع أن تسخره كما سخرها، وأن تنال منه ما نال منها، فقد سخر هو الفيل وغيره من الحيوانات الضخمة الجريئة، واستخدمها في مصالحه، وانتفاع أي حيوان بالأرض وما فيها انتفاع نسبي محدود بينما انتفاع الإنسان مطلق لا حدود له فهو ينتفع بالحيوانات البرية والبحرية، والنباتات المختلفة، والجمادات المتنوعة، والمعادن التي لا تحصى انتفاعا متنوعا، بحيث يستخدم الشيء الواحد في مصالح شتى.
ومن مظاهر هذا التكريم أيضا سنة التطور التي اختص الله بها الجنس البشري دون غيره، فسائر المخلوقات - وإن تعاقبت عليها القرون وتوالت عليها الأحقاب - لا تتبدل أحوالها ولا تتغير أوضاعها، بخلاف الناس الذين أودع الله سبحانه وتعالى في طبائعهم ملكات التطور حتى صاروا ينتقلون من وضع إلى غيره ويرتقون من حال إلى أخرى كما هو ظاهر في حياة الناس الفكرية، والإدارية، والصناعية، وغيرها... فقد كان الناس يستخدمون في أسفارهم الدواب وأرماث البحر إذا أرادوا أن يريحوا أقدامهم من جهد السير، وكواهلهم من عناء الحمل، ويكلفهم ذلك جهدا جسميا، كما ينتهب منهم جانبا من أعمارهم، ثم أخذوا ينتقلون من طور إلى آخر حتى بلغوا الآن في طي المسافات واختصار مراحل الأسفار إلى الاستغناء ببضع ساعات فيما كان يكلفهم شهورا وأعواما حتى ليظن الظان أنهم طويت لهم الأرض وزوى لهم الفضاء، وقس على بقية مطالب الحياة، وقل مثل ذلك في الانتفاع بما أودع الله تعالى هذه الأرض من مصالح لناس لم تكتشفها إلا الأجيال المتأخرة بفضل ما آتاهم الله تعالى من علم، فكم من معدن يعد في وقتنا هذا من أكبر الثروات وأنفس المنتوجات لم يكن يزن شيئا في عهود الآباء والأجداد، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الله سبحانه هيأ هذا الإنسان لمنصب كبير لا يرقى إليه غيره، وهو الخلافة في الأرض كما تقص علينا هذه الآية الكريمة.
وبجانب هذا التكريم الإلهي لهذا الكائن البشري فإن الله ابتلاه بنقص ذاتي لئلا يذهب به الغرور إلى أنه أوتي ما أوتي باستحقاقه، وأنه مستغن بذاته عن غيره، ومن مظاهر هذا النقص الضعف الجسمي، فإن كل ما يصيبه يؤلمه أكثر من إيلام غيره من المخلوقات الحية، وجسده أضعف من أجساد الحيوانات في احتمال حرارة الصيف وبرودة الشتاء.
ومن مظاهر نقصه ضرورته إلى النظافة والزينة، فهو دائم بحاجة إلى الماء للاستنجاء والاستحمام، وإلى السواك وإزالة التفث عنه، فلو لم يستنج ويستحم لنتن، ولو لم يستك لبخر، ولو لم يلق التفث عنه لتشوه، كما أنه بحاجة إلى ما يستر سوأته من اللباس، وبدون ذلك يكون أقبح منظرا وأسوأ حالة من أي حيوان، وهو أيضا بحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الشر من السلاح، بينما بقية الحيوانات جعل الله لها في نفسها وسائل للدفاع تقاوم بها عدوها.
والمولود البشري يمر بمراحل متطاولة حتى تكتمل قواه بخلاف المولود من الحيوانات فإنه سرعان ما يصل إلى غايته من القوة، ولذلك كان المولود البشري بحاجة زائدة إلى عناية بالغة ممن يقوم بتربيته، وثم كثير من النواقص المختلفة يكتشفها الإنسان في نفسه إذا أمعن النظر فيها، وحسبنا أن الله سبحانه قال فيه:
صفحه نامشخص