جواهر التفسیر
جواهر التفسير
فالجواب أن الأرض ليست شيئا تافها لأنها مركز استقرار الإنسان الذي كرمه الله وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا، وفوق ذلك فهي مقر النبوات، ومهبط الرسالات ، فلا غرو إن حصلت لها هذه العناية في كلام الله، ومن ناحية أخرى فإن القرآن إنما يخاطب البشر، فلا ينبغي أن يخلو من تذكيرهم بنعمة الله تعالى عليهم بها وبما فيها، وفتح أبصارهم على آياته العظام التي تتجلى في كل شيء منها أو عليها، كيف وهي أول ما يفتحون عليه أبصارهم من آياته تعالى.
وذهب بعض المفسرين إلى أنه لا مفهوم للعدد وأن المقصود بالسبع المبالغة، وهو تفسير مرفوض تأباه شواهد القرآن في وصف السماوات.
بدائع الكون دليل القدرة والعلم:
وبما أن هذا الخلق البديع وترتيبه المحكم دليل قاطع على الصانع الخبير الذي نظم دقائقه بما يتلاءم مع الحكمة البالغة، ذيلت هذه الآية بقوله سبحانه: { وهو بكل شيء عليم } ، ولفظة شيء هي أعم العمومات لإطلاقها على كل ما يخبر عنه كما قال سيبويه وغيره، وما أدل هذا الكون الفسيح، ونظامه الرتيب، وجماله الباهر على علم موجده بكل شيء، وقدرته على ما يشاء، وما على الإنسان - وهو جزء من هذا الكون - إلا أن يقرأ في صفحات هذا الوجود آيات الله الناطقة بإحاطة علمه وسعة قدرته، وعظم شأنه، وجلال سلطانه، لا إله إلا هو خالق كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء، منه المبدأ وإليه الرجعى وله الحمد في الآخرة والأولى، سبحانه عما يقول الظالمون، وتعالى عن ذلك علوا كبيرا.
[2.30]
في هذه الآية وما بعدها يحكي الله سبحانه وتعالى لنا قصة خلق الإنسان ليتحمل أمانة الله على عاتقه. وتبدأ هذه القصة بإعلان منزلة هذا الكائن من مخلوقات الله في الملأ الأعلى، والقرآن ليس كتابا تاريخيا يعني بسرد أحداث التاريخ وقضاياه، كما أنه ليس كتاب هندسة، ولا كتاب طب وما إلى ذلك، وإنما هو كتاب رسالة إلهية موجهة إلى الفطرة الإنسانية، وفي إطار هذه الرسالة تلتقي الدعوة إلى الله مع التعليم والتشريع، والأمر والنهي، والوعظ والإرشاد، والترغيب والترهيب، ولذلك فإنه عندما يتعرض للتاريخ أو لأي ناحية أخرى يكون تعرضه بقدر ما يعزز جانب هذه الرسالة ويجلي برهانها كما تجد ذلك واضحا فيما يقصه من أنباء النبوات وأحوال الأمم، وأحداث الزمن، ولم تأت فيه قصة لقصد التسلية أو الفكاهة، فهو أرفع شأنا من ذلك، وأجل قدرا، وقد أخبر الله جل شأنه نبيه صلى الله عليه وسلم أن قصص القرآن هو أحسن القصص كما أن حديثه هو أصدق الحديث في قوله:
نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ أوحينآ إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين
[يوسف: 3].
وقد يتبادر لقارئ القرآن أول مرة عندما يجد القصة الواحدة مذكورة في العديد من السور أن ذلك تكرار، ولكن إذا عاد إلى السور ومحتوياتها، ومقاصدها، والمعروض من القصة فيها، وأسلوب العرض، أدرك أن ذلك بعيد عن التكرار. فإن السورة لا تعرض القصص بطريق السرد كما هو شأن القصاصين، وإنما تأتي منها بقدر ما يخدم الموضوع الذي ذكرت خلاله القصة، وبحسب ما يتلاءم مع هذا الجو، فقصة موسى عليه السلام مثلا عرضت في سور شتى ولكن هذا العرض لم يأت على وتيرة واحدة، فتجدها تارة مطولة، وتارة مختصرة، وفي كل مرة يتميز العرض بفوائد شتى من جوانب القصة نفسها، ومن جانب العبر والعظات التي تمليها، وإذا علمت أن القرآن نزل في ثلاث وعشرين سنة واجه فيها تحديات المشركين العرب ومكر أهل الكتاب، ودسائس المنافقين، ومؤامرات الشعوب المختلفة أدركت السر في تعدد المقامات التي تستوجب ذكر القصة الواحدة إما للتذكير وإما لتفنيد المزاعم أو لغير ذلك من الأغراض.
وجميع القصص القرآنية تحكي أحداثا واقعة، وأحوالا متقدمة، وليست مسوقة لغرض التمثيل فحسب - كما يجنح إلى ذلك بعض المتأخرين - فإن باب التمثيل معروف، وعندما يأتي في القرآن يأتي مقرونا بالقرائن اللفظية الدالة على قصده لتعميق المفاهيم في النفس، وترسيخ المعاني في الأذهان، فإن النفس - كما سبق - هي للمحسوس أألف وبماهيته أعلم.
صفحه نامشخص