جواهر التفسیر
جواهر التفسير
والسماء مأخوذ من السمو بمعنى الإرتفاع، ولذا يطلق على كل مرتفع، وقد مر ذلك، وإذا أريد به الجنس فهو السماوات السبع، ولذا جاز عود الضمير إليه مجموعا عند بعض المفسرين في قوله: { فسواهن } ، وقال بعضهم هو اسم جنس جمعي واحده سماءة، وذهب الزمخشري إلى أن المراد بالسماء هنا جهة العلو، وأن الضمير مبهم فسره من بعد سبع سماوات، كما يقال ربه رجلا، وتعقبه أبو حيان بأن ذلك ليس من المواضع التي يجوز فيها عود الضمير على المتأخر، وقال فريق بأن سبع حال من الضمير، وذهب آخرون إلى أنه تمييز.
والذي يتجه لي أن { سبع سماوات } مفعول ثان لسوى، والضمير راجع إلى السماء، وإنما جمع لرعاية ما تبعه من الجمع المخبر به عن مرجع الضمير، كما في قول امرئ القيس:
وبدلت قرحا داميا بعد صحة
فيالك من نعمى تحولن أبؤسا
والقول بانتصاب سبع على الحالية هو أضعف الأقوال؛ لأن الحال لا تكون إلا مشتقة أو مؤولة بمشتق.
وقد أخبر الله في هذه الآية - وفي كثير من الآي - أن السماوات سبع، ولا محيص لنا عن التسليم لما أخبر به العليم الخبير، غير أن من شأن الإنسان حب الإطلاع، واكتناه ما لم يصل إليه علمه، فلذا أطلق المفسرون لأفكارهم العنان في البحث عن المراد بالسماوات السبع، وقد هاموا في ذلك، وكثير منهم عول على أكاذيب أهل الكتاب فجاءت كتب التفسير مشحونة بما يجب أن ينزه كلام الله عن تبيانه به، خصوصا بعد اتضاح الدلائل وقيام الشواهد على كذب تلك الروايات التي عولوا عليها، والمرتبطون منهم بعلم الفلك - في القديم والحديث - فسروا السماوات السبع بما وصلوا إليه من علم الهيئة الكونية، وياللأسف فإنهم ضيعوا مدلولها بما لا يتفق مع مراد الله سبحانه من بيان آياته للناس في عظائم مخلوقاته، فنجد المتقدمين منهم زعموا أن المراد بالسماء الأولى القمر، وبالثانية عطارد، وبالثالثة الزهرة، وبالرابعة الشمس، وبالخامسة المريخ، وبالسادسة المشترى، وبالسابعة زحل، ويفهم من ذلك أنهم يعنون أن السماوات هي المجموعة الشمسية، ومن حيث إن بعض هذه المجموعة لم يكن منكشفا لهم، وما عرفوه منها لم يصل إلى هذا العدد ضموا إليها القمر - وهو تابع للأرض - وضموا إليها الشمس نفسها لتكون سبعا، وممن نحا هذا المنحى الفخر الرازي، وقد أطال في الاستدلال لهذا القول بما كان معروفا عند علماء الهيأة في عصره.
ونجد المتأخرين يوافقون أسلافهم في تفسير السماوات بالمجموعة الشمسية السيارة غير أنهم يخالفونهم في عد الشمس والقمر منها، أما القمر فمن حيث كونه تابعا للأرض وليس مستقلا، وأما الشمس فلأجل كونها المركز الذي تدور حوله المجموعة، وعوضوا عنهما السيارين المكتشفين من بعد؛ وهما أورانوس ونبتون، وعدوا اكتشافهما بعد اثني عشر قرنا من نزول القرآن من معالم إعجازه حيث عد السماوات سبعا، ولاحظ بعضهم وصف السماء الدنيا في القرآن بأنها مزينة بمصابيح، وذلك في قوله تعالى:
ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح
[الملك: 5]، ومثله قوله:
إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب
صفحه نامشخص