جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وقول الآخر:
لا يكشف الغماء إلا ابن حرة
يرى غمرات الموت ثم يزورها
ويسمى هذا بالترتيب الرتبي وبترتب الإخبار، ولأجل شيوعه صار كالحقيقة حتى قال من قال بأنه هو الأصل في عطف الجمل بثم، ومن الذين اعتمدوا على هذه القاعدة في الجمع بين ظواهر هذه الآيات المذكورة الإمام ابن عاشور، وقد أطال في تحريرها وإيضاح مبهمها، وتفصيل مجملها بما لم يسبق إليه، ومن يرد إحراز هذه الفوائد فليرجع إلى تفسيره.
وبالجملة فإن العطف بثم في هذه الآية إما لأن المعطوف عليه أجدر بعناية السامع، فإن تسوية السماوات على عظمها أعظم من خلق الأرض، فإنها لو قيست بسعة الفضاء الفسيح وما يسبح في خضمه من الأجرام الهائلة لما كانت إلا كالذرة المهينة العائمة في عباب الهواء، وإما للانتقال من التذكير بنعمة معلومة بدهيا، وآية شاهدة للعيان، وهي خلق الأرض لنا إلى نعمة وآية يحتاج العقل إلى التدبر فيها حتى يدرك قبح الكفر بالخالق العظيم، فإن الإنسان يدرك بدون أي تفكير حاجته إلى الأرض واضطراره إلى ما أوجد فيها من المنافع لقوام حياته وسد ضروراته، أما ضرورته إلى ما في الكون الأعلى من مخلوقات الله فتتوقف معرفته بها على الإمعان والنظر حتى يتوصل إلى إدراك الإرتباط بين الأجرام الفضائية وبين الأرض التي هي قراره بسنة الجاذبية التي جعلها الله تعالى سببا للاستقرار على هذه الأرض وإمكان الحياة فيها.
ومما يؤكد أن " ثم " هنا لا تدل على المهلة الزمنية - حتى يستدل بالآية على أن الأرض مخلوقة قبل السماء - عدم عطف خلق السماوات على خلق الأرض، وإنما عطفت خلق السماوات على خلق ما في الأرض، ومن المعلوم أن خلق المنافع الأرضية يتجدد دائما ولا يتوقف في وقت من الأوقات، فمن الضرورة أن يكون خلقها مسبوقا بخلق السماوات، وإن قيل بتقدم خلق الأرض قبل خلق السماوات.
والذي أختاره عدم الجزم بشيء في ذلك أو ترجيح رأي على آخر لعدم توفر دليل سمعي على صحة أي رأي - كما علمت - أما النظريات الحديثة فلا وجه للإستناد عليها في مثل هذه الأمور لما يعتريها من الاضطراب، ويدخل عليها من التناسخ حتى لم تعد منها نظرية مستقرة، وإنما بإمكاننا أن نقول إن الأرض والأجرام السماوية كانت متصلا بعضها ببعض حتى تم الانفصال بينها؛ كما يدل عليه قوله تعالى:
أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما
[الأنبياء: 30]، ولا أستطيع أن أقول إن الأرض انفصلت عن الشمس ذاتها أو عن المجموعة الشمسية ثم تقلبت في مدرجات الأطوار حتى وصلت إلى وضعها الحالي، لأن هذه النظرية معارضة بغيرها، وهي أن هذه الأجرام كانت كلها سديما ثم انفصلت وتطورت حتى استقرت على ما هي عليه، ولعل هذه النظرية أقرب إلى مدلول قول الله تعالى { وهي دخان }.
وقد أجاد الأستاذ الشهيد سيد قطب في قوله: " ويكثر المفسرون والمتكلمون هنا من الكلام عن خلق الأرض والسماء، يتحدثون عن القبلية والبعدية، ويتحدثون عن الاستواء والتسوية، وينسون أن قبل وبعد اصطلاحان بشريان لا مدلول لهما بالقياس إلى الله تعالى، وينسون أن الإستواء والتسوية اصطلاحان لغويان يقربان إلى التصور البشري المحدود صورة غير المحدود ولا يزيدان، وما كان الجدل الكلامي الذي ثار بين علماء المسلمين حول هذه التعبيرات القرآنية إلا آفة من آفات الفلسفة الإغريقية والمباحث اللاهوتية عند اليهود والنصارى، عند مخالطتها للعقلية العربية الصافية، وللعقلية الإسلامية الناصعة، وما كان لنا نحن اليوم أن نقع في هذه الآفة فنفسد جمال العقيدة وجمال القرآن بقضايا علم الكلام ".
صفحه نامشخص