342

أأنتم أشد خلقا أم السمآء..

[النازعات: 27] إلى قوله:

.. والأرض بعد ذلك دحاها

[النازعات: 30]، على سبق خلق السماء على خلق الأرض، فلذا احتاجوا إلى الجمع بين هذين الظاهرين، وقد اختلفوا في طريقة الجمع، فذهب فريق إلى أن الأرض مخلوقة قبل السماء، وسويت السماوات من بعدها، غير أن دحي الأرض متأخر على خلق السماوات، وذلك أنها عندما خلقت قبل السماوات لم تكن مدحوة صالحة للإستقرار عليها حتى تم ذلك بعد تسوية السماوات السبع، وذهب فريق آخر إلى عدم القبلية والبعدية على تقدم الزمان أو تأخره، وإنما هما حسب التفاوت المعنوي المشبه بالبعد المكاني أو الزماني، ومنه قوله تعالى:

ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشآء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم

[القلم: 10 - 13]، فإن كونه عتلا وزنيما أسبق وجودا مما تقدمهما من الصفات، وقد ذكر إثر كلمة بعد لأجل لفت الانتباه إلى معناهما، ونحوه قوله سبحانه:

فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير

[التحريم: 4]، وهذا يأتي فيما يستدعي استحضاره ودرك أبعاده استجماع الفكر، فكأن الفكر يقطع مسافة من المعنى السابق إليه لما بينهما من التفاوت كما علمت، ونحوه في العطف بثم، فإنها في الأصل موضوعة للمهلة الزمنية غير أنها تستخدم في المهلة المعنوية للتفاوت الرتبي بين المعطوف بها والمعطوف عليه، فكأن العقل يتمهل في الانتقال من المعنى السابق إلى المعنى اللاحق، ولا يراعى في ذلك الترتيب الزمني، فقد يكون المعطوف أسبق زمنا من المعطوف عليه، ومنه قوله تعالى: { فلا اقتحم العقبة ومآ أدراك ما العقبة فك رقبة.. } إلى قوله : {.. ثم كان من الذين آمنوا.. } (الآية)، وهو يقتضي أن المعطوف آكد وأهم مما تقدمه، وهذا شائع في كلام العرب، ومنه قول طرفة بن العبد:

جنوح رفاق عندل ثم أفرعت

لها كتفاها في معالى مصعد

صفحه نامشخص