جواهر التفسیر
جواهر التفسير
ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا
[النساء: 150]، وعليه فهو خاص باليهود، وقيل: هو القول والعمل أمروا بوصلهما فقالوا ولم يعملوا، وعليه فهو خاص بالمنافقين.
وذهب السيد محمد رشيد رضا إلى أن الأمر هنا شامل لأمر التكوين وهو ما عليه الخلق من النظام والسنن المحكمة، لأن الله سمى التكوين أمرا حيث عبر عنه ب " كن " في قوله:
إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون
[يس: 82]، وأمر التشريع وهو ما أوحاه إلى أنبيائه وأمر الناس بالأخذ به، ومن النوع الأول ترتيب النتائج على المقدمات، ووصل الأدلة بالمدلولات، وإفضاء الأسباب إلى المسببات ومعرفة المنافع والمضار بالغايات، فمن أنكر نبوة النبي بعد ما قام الدليل على صدقه أو أنكر سلطان الله على عباده بعد ما شهدت له به آثاره في خلقه، فقد قطع ما أمر الله به أن يوصل بمقتضى التكوين الفطري، وكذلك من أنكر شيئا مما علم أنه جاء به الرسول لأنه إن كان من الأصول الاعتقادية ففيه القطع بين الدليل والمدلول، وإن كان من الأحكام العملية ففيه القطع بين المبادئ والغايات، لأن ما أمر به الدين قطعا فهو نافع، ومنفعته تثبتها التجربة والدليل، وكل ما نهى عنه حتما فلا بد أن تكون المضرة عاقبته، فالذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه هم الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل بغايته، أما بالنسبة إلى الإيمان بالله تعالى وبالنبوة فيقطعون ما أمر الله به في كتبه أمر تشريع وتكليف، وصلة الأرحام تدخل في كلا القسمين.
وذهب قطب الأئمة - رحمه الله تعالى - في التيسير إلى أن المقصود به هو الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء وعدم التفرقة بين رسول وآخر، وكتاب وآخر، وأداء حق الرحم والمؤمنين، والجهاد وسائر الدين. قال: " وما ذكر من العموم أولى من تفسير { مآ أمر الله به } بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإطلاق (ما) عليه، ومن تفسيره بالقرآن أو الرحم ومن تفسيره بوصل القول بالعمل، ومن تفسيره بالأنبياء ".
وقال في الهيميان بعد حكايته الخلاف " والذي عندي أن المعنى أنهم يتركون ما أمر الله به أن لا يترك فيدخل فيه الإيمان بالأنبياء كلهم، والكتب، وصلة الرحم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وقراءة القرآن، ونحو ذلك من أحكام الدين، ووصل كل شيء من ذلك هو فعله، وقطعه هو تركه، وأما فعل المحرمات فداخل في قوله بعد ذلك { ويفسدون في الأرض } ، وإن شئت فقل يدخل في قوله: { ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل } ، فالوصلة بين المكلف والنهي عن المحرمات أن يتبع النهي فيترك المحرمات، فإذا طرح النهي وراء ظهره واقتحم المحرمات فقد قطعه ".
والتماس الترجيح في ذلك إنما يكون بالرجوع إلى طبيعة الإنسان والتأمل في علاقاته مع بني جنسه وغيرهم، فحياته حياة اجتماعية بحيث لا يمكن لأي فرد من أفراد نوعه أن يستقل في حياته بمنافعه ومصالحه، وبهذا يتضح أن ما أمر الله به أن يوصل يراد به كل علاقة بين شخص وآخر، أو بين فرد ومجموعة، فالعلاقات البشرية يجب أن تكون قائمة على أسس تعاليم الله عز وجل، ومراعاة هذه التعاليم هو وصل لها، والإنحراف عنها هو قطع لها، فتدخل في ذلك العلاقات بين الأصول والفروع، وهي صلات الآباء والأمهات من جهة بالأبناء والبنات من جهة أخرى، وما لكل من الجهتين من حقوق على غيرها، والعلاقات التي تكون بين شركاء الحياة وهم الأزواج والزوجات، وعلاقات الفروع الباسقة من دوحة واحدة، وهم الإخوة والأخوات، وعلاقات الجنس البشري، وعلاقة الإنسان بسائر الكائنات، فهي جميعا يجب وصلها حسب تعاليم الله سبحانه التي أنزلها في كتبه أو لقنها رسله فتلقيت عنهم، ويدل على شمول ذلك كله التعبير ب " ما " التي هي من صيغ العموم.
المعاصي تسبب الفساد العام:
واختلف في المراد بالإفساد في الأرض، ذهب فريق إلى أنه قطعهم الطرق على المهاجرين إلى الله ورسوله، وذهب آخرون إلى أنه مطلق ارتكاب المعاصي لأنها أعظم أسباب الفساد في الأرض، وأمحق لخيراتها، وأسحق لبركاتها:
صفحه نامشخص