335

ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس

[الروم: 41]، فالمعصية لا تلبث أن تحول المنافع إلى مضار والمصالح إلى مفاسد خصوصا عندما تتفشى في أوساط الناس ولا تجد لها مقاوما، فلا تقف آثارها عند الراكبين لها بل تشمل الساكتين عنها، فيعم الجميع سخط الله المؤدي إلى هوان الدنيا وعذاب الآخرة والعياذ بالله، أولم تسمعوا إلى قوله تعالى:

لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون

[المائدة: 78 - 79].

وإن من أخطر المعاصي على الناس، وأعمها ضررا، وأشدها بلاء هجران الأمة لكتاب ربها الذي ينير لها البصائر، ويوضح لها المسالك، ويقف بها على أسباب الخير، ويبين لها أسباب الشر، فإن هذا الإعراض عنه واستبدال تعاليم الطاغوت بتعاليمه، وأحكامه بأحكامه هو أقطع المدى لأوصال الأمة، وأخطر الأسباب المؤدية بها إلى المهانة والذلة، وهذا الذي وقع فيه المسلمون عندما هجروا القرآن وصدقت عليهم شكوى الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام:

يرب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا

[الفرقان: 30]، فما أحراهم بالخسران إلا إذا ارعووا عن غيهم وثابوا إلى رشدهم، وأنابوا إلى ربهم، وحطموا أغلال الجاهلية وقيودها، فصاروا بدينهم أحرارا أعزة. أسأل الله أن يكون ذلك قريبا.

وقوله { أولئك هم الخاسرون } بيان لعاقبة فسقهم ونقضهم العهد وقطعهم ما أمر الله بوصله وإفسادهم في الأرض، فإن مآل أمرهم خسران الدنيا والآخرة: { ذلك هو الخسران المبين } ، أما خسران الآخرة فبين، كيف وهم المحرومون من رضوان الله سبحانه ورحمته في جنة عرضها السماوات والأرض، وليس لهم في الآخرة إلا النار؟

وما أعظم خسارة من لم تسعه جنة عرضها السماوات والأرض وكان قراره في عذاب لا ينتهى في نار حامية ليست لأحد طاقة بعذابها، وأما في الدنيا فإنهم لا يبارحهم فيها القلق ولا يفارقهم الاضطراب، فلا يذوقون فيها طعم الطمأنينة ولا يعرفون راحة الإستقرار بخلاف المؤمنين المتقين المطمئنة قلوبهم بذكر الله:

ألا بذكر الله تطمئن القلوب

صفحه نامشخص