جواهر التفسیر
جواهر التفسير
ولصاحب المنار في معنى العهد كلام خلاصته أن العهد هنا مجمل لم يسبقه ولم يتله ما يبينه، لأن الواقع هو الذي يكشف عن المراد به، وفي ذلك غنى عن التفصيل القولي، ويرشد إلى فهم العهد الإلهي هنا معنى الفسوق المتقدم بيانه، فإن الفاسقين هم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وقد سبق أن الفسوق - على رأي صاحب المنار - هو الخروج عن سنن الله تعالى في خلقه التي هداهم إليها بالعقل والمشاعر، وعن هداية الدين بالنسبة إلى الذين أوتوه خاصة، فعهد الله تعالى هو ما أخذهم به بمنحهم ما يفهمون به هذه السنن المعهودة للناس للنظر والاعتبار، والتجربة والاختبار، أو العقل والحواس المرشدة إليها وهي عامة والحجة بها قائمة، على كل من وهب نعمة العقل، وبلغ سن الرشد سليم الحواس، ونقضه عبارة عن عدم استعمال تلك المواهب استعمالا صحيحا، حتى كأنهم فقدوها وخرجوا من حكمها، كما قال تعالى:
لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بهآ أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون
[الأعراف: 179]، وكما قال فيهم أيضا:
صم بكم عمي فهم لا يعقلون
[البقرة: 171]، هذا هو القسم الأول من العهد الإلهي وهو العام الشامل، والأساس للقسم الثاني الذي هو الدين، فالعهد فطري خلقي وديني شرعي، فالمشركون نقضوا الأول وأهل الكتاب الذين لم يقوموا بحقه نقضوا الأول والثاني جميعا، ومن هذا النقض إنكارهم ضرب المثل.
هذا رأيه في العهد ونقضه وهو صادر عن فرط تقديره لمواهب الإنسان كالعقل والوجدان، ومأخذه قوي غير أني لا أجد داعيا إلى التفرقة بين العهد الفطري والعهد الديني، فالدين ما هو إلا توجيه إلهي لهذه الفطرة، ولذلك يأتلف معها ولا يختلف، وصدق الله
فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم
[الروم: 30]، ومهما يكن فإن الدين هو الصلة بين الخلق وربهم، والعقل البشري لا يصدر عنه في الأحكام التعبدية وإن جاز استلهام بعض الحقائق منه فإن مصدر الأحكام وحي الله تعالى، لذلك أجنح إلى رأي من رأى أن المراد بالعهد دين الله سبحانه، وأن نقضه كل مخالفة له، وفي هذا ما يدل على عموم الذين كفروا، وشموله أهل الكتاب وغيرهم ممن كذب برسالة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وخرج عن دعوته، ولا داعي إلى التفريق بين أهل الكتاب والمشركين باعتبار الأولين ناقضين لعهدين والآخرين لعهد واحد، فإن حجة الله بما أبدع وما شرع قائمة على كلا الفريقين، ومع ذلك فإن أهل الكتاب أولى بالحفاظ على هذا العهد لتأكده عليهم بتكراره على ألسنة رسلهم، وقد حكى الله ذلك في قوله: { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله.. } (الآية)، وقوله بعدها: { وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمآءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم.. } (الآية)، وقوله: { وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم } ، وقوله:
ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا
[المائدة: 12]، وغيرها من الآيات الدالة على أن بني إسرائيل كانوا أثقل حملا وأعظم مسئولية لتكرر النبوات فيهم، وتعدد المواثيق عليهم.
صفحه نامشخص