329

[الزخرف: 57]، وقوله:

إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل

[الزخرف: 59]، فمن هذه الآيات انتزع الشاهد بصحة تفسير المثل بالذي ذهب إليه، وحمل هذه الآية على دحض شبهة الذين أنكروا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وصلاحيته لأن يكون مثلا يقتدى به، وهي أنه بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق - وهم مشركو العرب - والذين أنكروا أن يكون نبيا مع كونه عربيا - وهم اليهود -.

وقد أقام الله عليهم الحجة بقوله: { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا } ، وأتبعه بوعيد من أعرض عن الإيمان بعد قيام البرهان - وهم الكافرون - وبشارة الذين آمنوا وعملوا الصالحات - وهم المؤمنون - وبعد أن قرر عليهم حجته - وهي تحديهم بسورة من مثله - كر على شبهتهم بالنقض وهي استبعاد أن يكون بشرا رسولا من عنده.

ومحصل ذلك - على هذا التفسير - أن الله تعالى خالق كل شيء فله أن يجعل ما شاء من الفوائد والمنافع والعبر فيما يشاء من خلقه ومن يشاء، ويضربه مثلا للناس يهتدون به، وليس هذا نقصا في جانب الألوهية، فيستحيى منه، بل من الكمال والفضل أن يجعل في المخلوقات الضعيفة والمحتقرة في العرف كالبعوض فوائد ومنافع، فكيف يستنكر أن يجعل من الإنسان الكامل - الذي خلقه في أحسن تقويم ورفع قدره بما اختصه به من المزايا والتكريم - مثلا لأمته به يهتدون، وإماما لهم بهديه يقتدون؟

وبناء على هذا التوجيه في المثل فيراعى توجيه بقية معاني الألفاظ بما يتفق مع هذا المعنى؛ وهو أن الذين آمنوا يعلمون أن هذا الإمام أرادته عناية الله بأن يتبوأ هذه المنزلة مهما كان ضعيفا في نفسه، فإن الله هو الذي يعضده ببرهانه، ويمده بتوفيقه، وأما الكافرون فيستنكرون ذلك لأن غيره - في رأيهم - أجدر بهذه المنزلة.

وقفى صاحب المنار ما ذكره في تسويغ هذا الرأي وترجيحه بذكر أن أصحاب البصائر لا يفوتون الاستفادة الحاصلة من الإقتداء بالحيوانات في أعمالها، ومن ذلك أن أحد كبار الصوفية قال: " تعلمت المراقبة من القط " ، وأن بعض حكماء المسلمين قرأ كتابا نحوا من ثلاثين مرة فلم يفهمه فيئس منه، ثم رأى خنفسة تتسلق جدارا وتقع فعد عليها الوقوع فزاد على ثلاثين مرة ولم يصبها اليأس حتى تمكنت من مرادها، فقال: لن أرضى أن تكون هذه الخنفساء أثبت مني وأقوى عزيمة، فرجع إلى الكتاب فقرأه حتى فهمه، وذكر عن تيمور لنك أنه كان طموحا إلى الملك من أول نشأته مع ما كان عليه من الفقر والمهانة، وكان لصا، فسرق مرة غنما وفطن له الراعي فرماه بسهمين أصابا كتفه ورجله فعطلاهما، فآوى إلى خربة وأخذ يفكر في مهانته ويوبخ نفسه على طمعها في الملك، ولكنه رأى نملة تحمل تبنة وتصعد إلى السقف وعندما تبلغه تقع ثم تعود، وظلت على ذلك عامة الليل حتى نجحت في الصباح، فقال في نفسه: والله لا أرضى بأن أكون أضعف عزيمة وأقل ثباتا من هذه النملة، وأصر على عزمه حتى صار ملكا، وكان من أمره ما كان.

هذا معنى كلامه، وهو تفسير ذو رونق براق ولكن ما ثبت عن سلف هذه الأمة من سبب نزول الآية يخالفه، وقد روي ذلك في أسباب النزول عن جماعة من الصحابة؛ منهم إماما التفسير ابن مسعود وابن عباس، وتعاقب المفسرون على حمل المثل على ما تقتضيه الروايات، ولو كان المراد بالمثل ما ذهب إليه صاحب المنار لما كان للسلف جميعا أن يعدلوا عنه حتى لا يكون له وجود فيما أثر عنهم، ومع ذلك فليس احتماله ببعيد.

وأصل الفسق الخروج، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وفسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها، ولذا سميت فويسقة، وأطلق في الشرع على الخروج عن أمر الله بارتكاب ما حظر أو ترك ما فرض، سواء كان خروجا يؤدي إلى الانسلاخ من الملة أم لا، وهذا الذي تدل عليه الآيات القرآنية نحو قوله تعالى:

وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون

صفحه نامشخص