جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وقد أبعد ابن عطية النجعة حيث أجاز أن يكون { يضل به كثيرا } من قول الذين كفروا، و { ويهدي به كثيرا } من قول الله ردا عليهم، واستبعد ذلك غيره من المفسرين، وما أحراه بالاستبعاد.
والباء في الموضعين للسببية، ومعنى كون المثل سببا للهداية والضلال أن أصحاب النفوس الصافية والفطرة السليمة لا يرون فيه ما يعاب ويستنكر فيتلقونه بالقبول ويدركون أبعاده، فإن كانوا على إيمان من قبل ازدادوا فيه رسوخا، وإن لم يكونوا على هدى فإنهم بتأملهم في الغاية المرادة من المثل ينجذبون إلى الهدى فيكونون في عداد المؤمنين، فهو على كلا الحالين سبب للهدى بالنظر إلى هذه الطائفة، وأما الذين في قلوبهم مرض فلا يكاد يقرع مسامعهم حتى تستنكره قلوبهم المأفونة، وترفضه عقولهم المريضة، فيزدادون به غيا إلى غيهم، ولذا كان سببا لضلالهم.
وتفسير المثل الذي ذكرته هو الذي عول عليه جمهور أهل التفسير، ولم أجد خلافا في ذلك عن أحد منهم إلا ما ذكره صاحب المنار عن بعضهم - ولم يسمه - وهو أن المثل في الآية ليس مثلا يقال بل هو مثل يحتذى، أي القدوة الذي يؤتم به ويهتدى بهديه، وعليه فالمراد بقولهم { بهذا } رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم استنكروا أن يرسله الله من بينهم إليهم وإلى الناس، لعدم تميزه عنهم بكونه من جنس آخر غير جنس البشر، كما يستفاد من قولهم فيما حكى الله عنهم:
أأنزل عليه الذكر من بيننا
[ص: 8]، وقولهم:
لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا
[الفرقان: 7]، وقد أيد صاحب المنار هذا التفسير للمثل بوروده بهذا المعنى في القرآن، في قوله تعالى:
فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين
[الزخرف: 56]، وقوله:
ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون
صفحه نامشخص