208

Fath al-Mun'im: Sharh Sahih Muslim

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

ناشر

دار الشروق

ویراست

الأولى (لدار الشروق)

سال انتشار

١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م

مناطق
مصر
وكم وفى جرير بما عاهد عليه الله ورسوله، وكم بالغ في الوفاء، فقد روي أنه كان إذا اشترى شيئا أو باعه يقول لصاحبه: اعلم أن ما أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناكه، فاختر.
وروى الطبراني أن جريرا أرسل غلامه فاشترى له فرسا بثلاثمائة درهم، وجاء به وبصاحبه لينقده الثمن فقال جرير لصاحب الفرس: فرسك خير من ثلاثمائة درهم، أتبيعه بأربعمائة درهم؟ قال الرجل: ذلك إليك يا أبا عبد الله، فقال جرير: فرسك خير من أربعمائة درهم، أتبيعه بخمسمائة درهم، قال الرجل: ذلك إليك يا أبا عبد الله، فلم يزل يزيده مائة فمائة، وصاحبه يرضى، وجرير يقول: فرسك خير، إلى أن بلغ ثمانمائة درهم، فاشتراه بها، فقيل له في ذلك، فقال: إني بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم.
وهكذا كانت عهود المسلمين، وهكذا كان وفاؤهم بها ﴿ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما﴾ [الفتح: ١٠].
-[المباحث العربية]-
(بايعت رسول الله ﷺ المبايعة عبارة عن المعاهدة سميت بذلك تشبها بالمعاوضة المالية، كأن المعاهد على الطاعة يبذلها في مقابلة الأجر الأخروي، كما في قوله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ [التوبة: ١١١].
فالمعنى: عاهدت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم.
(على السمع والطاعة) لله ولرسوله ولأولي الأمر، عملا بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩].
(فلقنني فيما استطعت) أي لقنني عبارة "فيما استطعت" لأقولها بعد عبارة "بايعتك على السمع والطاعة" أي: أسمع وأطيع فيما أستطيع: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وتاء "استطعت" رويت بالضم على أنها للمتكلم جرير، ورويت بالفتح على أنها من كلام النبي ﷺ خطابا لجرير، وكلاهما صحيح.
وعائد الصلة مفعول "استطعت" محذوف.
(والنصح لكل مسلم) معطوف على "السمع والطاعة" وجملة "فلقنني: فيما استطعت" معترضة.

1 / 209