1395 أقول: إني رأيت في المنام وقت ما شرعت في كتابة هذه الحكاية، وقد قارب الصبح، وأنا متوضئ مستقبلا مشتغلا بذكر الله تعالى، منتظرا منه ظهور الرحمة والعناية، كأني في مكة المعظمة تجاه الكعبة المكرمة، فاذا أنا بأبي عبد الله الحسين قائما، وقد علاه البهاء والزين، وهناك عمود أبيض محفوفا بالأنوار منصوبا، وقد التزمه أبو عبد الله يشكو ظالميه، ومن جعل رأسه العزيز بالدم مخضوبا، فلما انتبهت صليت الصبح وجلست مكاني بذكر الله تعالى حتى صليت الإشراق، ثم جلست في حلقة قراءة القرآن القديم، لا من تحديق الأحداق وتقليب الأوراق، فإذا أنا فيها إذ رأيت كأن صحراء وسيعا وفيه النبي قائما أبدا دائما، وكان ملتبسا بالثياب البيض، وسطوع الأنوار من وجهه وميض، وكأنه (صلى الله عليه وآله) حضر هناك للحكم بين جماعة والقضاء، فإذا أنا بمعاوية وألبسته كلها سوداء، فانتبهت وما انتهيت إلى مآل الحال، وأعوذ بالله من مواجب الخزي والوبال.
1396 وقال الزبير بن بكار: وحدثني محمد علي بن الحسين، قال: لما أيقن الحسين بأنهم قاتلوه قام خطيبا، فحمد الله عز وجل وأثنى عليه، ثم قال: «قد نزل ما ترون من الأمر، وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت، وأدبر خيرها ومعروفها، واستمرت حتى لم يبق فيها إلا صبابة كصبابة الإناء، ألا ترون الحق لا يعمل به، والباطل لا يتناهى، وإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين ندامة» (1).
1397 وعن عبد ربه: أن الحسين بن علي (عليهما السلام) لما أرهقه القتال، وأخذله السلاح، قال:
«ألا تقبلون مني ما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقبل من المشركين؟ كان إذا جنح أحدهم السلم قبل منه»، قالوا: لا، قال: «فدعوني أرجع» قالوا: لا، قال: «فدعوني آتي أمير المؤمنين»، فأخذ له رجل السلاح، وقال: أبشر بالنار! قال: «أبشر إن شاء الله تعالى برحمة ربي وشفاعة نبي» فقتل وجيء برأسه إلى بين يدي ابن زياد، فنكته بقضيب، فقال اللعين: لقد كان غلاما فصيحا! قال: أيكم قاتله؟ فقام الرجل وقال: أنا قاتله،
صفحه ۵۱۰