538

فلما كان الغد خرج أهل البيعة الأولى متفرقين غير مجتمعين، متعدين بالاتفاق إلى جبل بني شهاب، فلما انتهى الإمام المهدي -عليه السلام- إلى بيت بوس، وجد الأخوان هنالك منتظرين له، فجعل أهل بيت بوس يسألونهم عن القائم من هو وأين يريدون يقيمونه فأشاروا إلى مولانا -عليه السلام- وأنهم يريدون القدوم إلى بقلان (1) حيث تحرزهم من الدولة فانصرفوا حتى انتهوا إلى بيت محفد (2) عند الغروب فعملوا على المبيت هنالك ففهم أهله ما هم فيه، وكان صاحبه معروفا بالطمع الكبير فرحب بهم وأمر رجلا من أخوته إلى صنعاء ليعلمهم بهم، فراح رسوله الليل فتعثر في طريقه وسقط فدخل رأس خنجره بين ضلعيه حتى ما دخل إلا محمولا، وكانت هذه من كراماته -عليه السلام- ففزع الشيخ من ذلك، وترك الإرسال[532] فلبثوا بعض الليل ووصل كبراء بيت بوس يحثوا على السادة ومولانا -عليه السلام- في الرجوع إليهم، ويكون القيام من مكانهم وهو يومئذ خراب لأنهم خافوا أن يعمره أهل صنعاء ويتخذونهم رعية وقالوا: هذا أولى لكم من بقلان لأن قلوب القبائل تقوى بقربكم من صنعاء فترجح للأخوان ذلك فأيقضوا مولانا -عليه السلام- أوعرضوا عليه حديثهم فأجاب بأن هذه الدولة في غاية القوة ولم يذهب الإمام -عليه السلام- إلا بنفسه ونحن في غاية الضعف فلا نأمن مع متاخمتهم أن يحيطوا بنا والدنيا دار تخلية، فقالوا: لا سبيل لهم إلى الإحاطة بالمكان مع خلاف بني شهاب، ولم يزالوا حتى أجمعوا على الرجوع إلى بيت بوس وساروا من ساعتهم، فكان صلاتهم الفجر فيه فلما طافه -عليه السلام- جمع أصحابه -عليه السلام- وكبار أهل بيت بوس وقال: هذا موضع لا يحصنكم ولا يحصننا إذ لا دائرا(1) ولا خندقا ولا عمارة فيه إلا المسجد لا سواه فأجابوا بأنكم إن كنتم طالبين للجنة والجهاد عزمتم كعزيمتنا ، وأجمع الأصحاب معهم، فقال -عليه السلام-: ستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله فرفعوا طعامهم وبهائمهم وأملاكهم المنقولة إلى رأس الحصن في غير منزل، وأظهروا الكلمة التنصير، فبادر رجل منهم إلى صنعاء يعلمهم ما اتفق ووجدهم في حال صلاة الجمعة [سلخ الحجة سنة أربع وتسعين وسبعمائة](2) فانزعجوا إلى بيت بوس بمن حضرهم من الجنود وكانت(3) جندا وافرا فاجتمع حول الموضع إلى أربعة عشرة محطة.

[قال في سيرة علي بن صلاح: وكان هذا أول حادث باشره علي بن صلاح](4) فلما كان الليل اجتمع أهل الموضع وهم إلى ثلاثمائة فأمرهم مولانا -عليه السلام- أن يقتسموا فريقين فريق يحفر في الخندق، وفريق يعمر في الداير فلم يطلع الفجر إلا وقد نزل في الخندق قدر القامة. وطلع في الداير مثلها، فكان ذلك مانعا من الاستيلاء في الحال، فلما كان الصبح نهضوا للقتال فقاتلوا من شروق الشمس إلى قريب العصر قبيلة بعد قبيلة فردهم الله، وقتل في ذلك اليوم من أهل بيت بوس عشرة أنفار(5) ومن المحطة إلى خمسين رجلا وبعد ذلك آيسوا من الاستيلاء.

صفحه ۶۳۷