485

وروي أنه رأى ذات يوم بين يديه في بعض سيراته خمسمائة من أرباب الفقه(1) من الشيعة والسادة كلهم لابسي الأجواخ والأمواج، فقال:الحمد لله الذي جعلها في أهلها، أو كما قال -يعني أموال الله- ويحكي أنه بلغ المجتهدون في دولته خمسمائه. قال: وروي أنه -عليه السلام- طاف في صنعاء ليلا لينظر أحوالها وقد أقام المنصور بالله محمد بن علي السراجي في تلك المدة محتسبا بصنعاء على الفساد فطهر صنعاء من ذلك وكان لايعلم فيها سكران إلا أحده ونكل به، حتى أرباب الرئاسة والشوكة، وأمن الناس من أهل الفساد ليلا ونهارا، فكان الإمام صلاح يتحسس(2) في الليل في جماعة لا يعرفون معه بالنهار حتى يعرف مواضع الصلاح والفساد فيعمل بمقتضاها، فوقف ذات ليلة على بيت فيه تدفيف فأمر ببعض من معه يتسلق ذلك البيت، فتسلق أحدهم ثم عاد فقال: رأيت أمرا عجيبا، رأيت رجلا يوقد نارا وامرأة عنده، وهما يدفئان الصبية بشملة، والرجل يدفف في منخل فقال الإمام -عليه السلام-: اقرع الباب فإن لهم لشأنا فقرع فخرج الرجل إليهم، فقالوا: ما شأنك في هذا التدفيف ؟فقال: إن معي صبية باتوا بلا عشاء ودفاؤنا قليل، فأوقدنا لهم وأخذت أنا وأمهم نلاهيهم بالتدفيف في المنخل كي يرقدوا، قال: وكان على الإمام [عليه السلام](3) جبة صوف لها جيب في داخلها [جيب](4) يحترس فيه بشيء من الدراهم والدنانير فضة وذهب، فأدخل الإمام -عليه السلام- يده ذلك الجيب وأخرج له منه ثلاث مرات، فطلع الرجل فرحا بما أعطاه وأخبر امرأته الخبر فقالت: يا هذا لاشك أن هؤلاء سراق قد أعطوك هذا المال كي تخرجه ليظهر عليك السرقة، فباتا محزونين مهمومين، فلما كان الصبح أتاه رسول الإمام -عليه السلام- فقالت له امرأته: غير بعيد أن الأمر على ما قلت لك، فوصل إلى عند الإمام -عليه السلام- فزعا مرعوبا, فقال له الإمام -عليه السلام-: قص لنا قصتك بالأمس، فتلجلج فقال: لا بأس عليك، فأخبره الخبر فقال -عليه السلام-: من جارك؟ فقال: الشيخ حسن المقمحي فأمر له الإمام -عليه السلام-، وهدأ(1) عليه وأراد عقوبته، ثم عاوده حلمه وقال:تالله يا خبيث إن لم تفقده(2) وأولاده بكفايتهم من الطعام الفارع لترين نكالك، أمثل هذا المسكين [من](3) يكون جارا لك ولا تفقده وتنظر في أحواله[508] ثم أمر -عليه السلام- لذلك المسكين مع تلك الدراهم والدنانير بشيء من الحب الحنطة كثير، ولم يزل يأتيه من ديمة(4) الشيخ الحسن الطعام الفارع الطيب من خبز البر واللحم، قال: وكان -عليه السلام- علمه ليس بالكثير فتوقف عنه أكثر شيعة زمانه . انتهى.

والمراد بالرسولي هنا: هو إسماعيل الأشرف، وأبوه العباس الأفضل بن المجاهد علي بن المؤيد داود بن المظفر يوسف بن المنصور عمر بن علي بن رسول، واسم رسول محمد بن هارون وكان ابتداء تملك بني رسول لليمن في دولة الملك المسعود يوسف بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن صلاح بن أيوب ملك مصر، وقد تقدم ذكر ذلك مرارا .

قال الخزرجي ما معناه: وفي سنة ست وسبعين وسبعمائة، كتب محمد بن أبي بكر السيري(5) إلى الإمام صلاح بن علي -عليه السلام- يستنجده على السلطان الأفضل، فوصل إليه بنفسه في جموع كثيرة، وجمع السيري جموعه، وسارا جميعا إلى تعز، فوصلا مدينة الجند، فأقاما فيها ثلاثة أيام. ثم أمر السلطان بحفظ الطرق، ووعد كلا بما يرضيه، فرجع الإمام -عليه السلام-، ولم يدخل تعز، ورجع ابن السيري إلى بلاده وحصونه(6).

صفحه ۵۸۲