371

ثم كذلك فتحنا المغارب وغيرها من البلاد، فلما استيقن اعداء الله تعالى بالقهر لهم جنحوا للسلم(1) وبذلوا الطاعة والدخول تحت الحكم، فملنا إلى قول الله تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها}[الأنفال:61]{ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا}[النساء:94] وقصدنا هو إظهار الدين وحرب الظالمين، حتى يتنظموا في سلك المؤمنين، فقبلنا منهم الطاعة، ورجونا أنهم ينتظمون في سلك الجماعة ويشتغل عنهم بغيرهم، ولا علم لنا بما انطوى عليه بعضهم من الغدر، وشنيع المكر {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله}[فاطر:43]، {فمن نكث فإنما ينكث على نفسه}[الفتح:10]، ولنا ما ظهر ولله تعالى ما بطن واستتر، ثم تقدمنا بعد ذلك إلى عفار المحروس نريد التقدم إلى جهة[468] الشرفين، فقدم علينا الأمير الكبير شجاع الدين أحمد بن محمد بن حاتم ومن معه من العلماء والمقدمين فساروا معنا إلى بئر شبرق من جوار شظب، وأوضح لنا [من](2) حاله وحال من بعده ببراش إنا إن ولينا منهم(3) وبعدنا عنهم هلكوا جميعا وإن الحصن لم يبق فيه شيء، وإن العدو قد وثق بالاستيلاء عليه وعلى من فيه، وإن الخطاب الذي كان بينهم في البيع له من جهة الغز قد انقطع بعد المبالغة وذلك بثقة الغز أن الموضع مقهور وأن من فيه محصور، فلم يسعنا عند الله أن نشتغل عنهم بغيرهم ولا أن نؤثر عليهم سواهم لما في الإقبال إليهم(4) من شدادتهم واستخراجهم وعلى العكس من ذلك بعدنا عنهم، فأما بقاء الموضع فلم يبق فيه مطمع لفراغ شحنته واجماع أهل البلاد على محاصرته، لأن الطريق إلى سلامته هو الدفاع عنه من المسلمين ومن حوليه من قبائل العرب، وقد كان الأمر بخلاف ذلك إذ عظم من حصره وحط عليه هم من يليه من القبائل(5) ومن زادهم من سائر المسلمين إلى الزيدية فلا مطمع في سلامته مع ذلك، ولله القائل:

تى أرتجي يوما شفاي من الضنا?

?

إذا كان جانيه علي طبيب

فعدنا إلى عزان المحروس، وتقدم الأمير شجاع الدين إلى الجهات الحضورية على أن الولد عماد الدين على أثرة، ثم جاءت كتبه بأنه لا ينفعهم فيما قصدوه إلا دخول ثلا فشق ذلك على أهله لمكان أولادهم وخشية سطوة الغز بهم، فلما أعيت الحيلة وطم الأمر عزمنا على الاقتحام ثقة منا بأهله، لما هم عليه من التمسك بأهل البيت الأكرمين، والسبق إلى نصرة الأئمة السابقين، وعلمنا أنهم لا يرضون بانطماس الإسلام، ففعلنا ذلك وفعلوا ما هم أهله من التلقي بالإكرام والتبجيل والإعظام وامتثال الأمر فحياهم الله تعالى وجزاهم عنا أفضل ما جزى أتباعا عن إمامهم، ثم زدنا قدمنا الولد عماد الدين المهدي بن تاج الدين إلى الأمير شجاع الدين إلى جهة حضور لتمام ما هم فيه من استخلاص من كان قد نشب ببراش فتولى الله النصر، وفك الأسر، وخلص من هناك(1) بحمد الله، وقد كان قبل ذلك جرى من الغز تعنيف وتأنيب للمشائخ الأجلاء بثلا وتهدد وتوعد، كل ذلك لأجل وصولنا إليهم وإقامتنا عندهم، وألزموهم خروجنا منهم وإلا مثلوا بأولادهم، ونحن في خلال ذلك نعرف القائمين بحضور ما نحن فيه ليعملوا بحسبه فيما هم بصدده هنالك، فلما علمنا أن الأمر جد وأنه لم يبق من الخروج من ذلك الحصن بد، خرجنا صيانة لأولئك المشائخ من العطب بسببنا وحلول البلايا بأولادهم على أيدينا وإلا فهم في أهل جهتم خيار الخيار، واعظم الموالين والأنصار.

صفحه ۴۶۸