دولة بني رسول
دولة بني رسول
إلى أن قال: على الإمام القائم منا أن](1) لا يزال يحاسب نفسه ليلا ونهارا وصباحا ومساء ويتهمها، فإن النفس دأبها أن تأمر بالسوء إلا ما رحم ربي، وعليه أن يأخذ للإمامة أهبتها، وليستعد لها عدتها، وليعلم الناس أنه لا يرى الإمامة طعمة أطعمه الله إياها، بل هي أمانة تقلدها، فإما أن يتحكم فيهم وفي أموالهم بما شاء خبطا وجزافا، ويرسل عليهم من لا يرحم صغيرهم ولا يوقر كبيرهم، ولا ينظر معسرهم ولا يبر مقترهم، بل يهشم اللحم والعظم ويتركهم مهضومين مظلومين وهم على عين منه ومسمع فلا ليس له ذلك، يأبى الله ودين قيم وكتاب باق لا يمحوه الماء {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون}[النحل:90]، أيها الناس إنا نعلمكم إنا ماقمنا هذا المقام أشرا ولا بطرا، ولا رغبة في الدنيا، ولا نسيانا للآخرة(2)، ولكنا رأينا دين الله قد درست رسومه وامتحت وسومه، وأنكر المعروف فما يعرف وعرف المنكر فلا ينكر(3) وثمرة(4) ذلك كله ما كان من سوء الاختيار والإخلاد إلى الإصرار من هذا الظالم بالأمس، الذي قد أشرقه الحدثان بريقه ولبس عليه الظالم الهوى وجه الطريقة، ولقد علم الله أنا كنا نمحضه النصيحة ونحذره عن لزوم غير الطريقة، فلم يرعنا في ذلك طرفا، ولما أنكرنا عليه وأنكر عليه الراسخون في العلم، الذين أبصارهم موهوبة من الله، وثاقبة في دين الله، وخافوا في المقارة على ظلمه وغشمه مقت الله حيث يقول: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار}[المائدة:63]، وحيث قال سبحانه: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون،كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون}[المائدة: 78-79] وقال الله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب[454] لتبيننه للناس ولا تكتمونه}[آل عمران: 187]الآية، فلا يردعه ذلك ونفخ الشيطان الغضب في منخره، وأخذته العزة بالاثم، وأجلب بخيله ورجله، واستنفر الشيطان معه بصوته، فدعوناه إلى المحاكمة إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتهدد وأوعد وأبرق وأرعد، وقال: لبث قليلا يلحق الهيجا جمل.
ونسي قول الشاعر:
قبى الوعيد له(1) عقبى الوغا ندم?
?
ماذا يزيدك في إقدامك القس
ثم لج في إصراره، ولجج في خلع رسنة وعذاره(2)، حتى هبط باغيا علينا بغيا وعدوانا إلى وادي شوابة وكنا والحمد لله في كتيبة غير ناكلة وعلماء غير أشابة، فاجتمع الصبر والبصيرة، وعلم الله منا صدق السريرة، فلما ترآءت الفئتان، دعوناه أن يبرز إلينا لنراجع القوم، ونعرض بصائر على حكم الكتاب والسنة، وقلنا: إن شئت فرادى ففرادى كل على فرسه، وإن شئت في عشر أفراس ونحن في عشر أفراس أو خمس وخمس فعلنا [ذلك](3) فكاع(4) عن ذلك وصدف وأعرض جانبا.
صفحه ۴۳۷