چهل حدیث
الاربعون حديثا
منتهى سلوك السالكين ، وغاية آمال العارفين ، هو فهم هذه الآية الشريفة المحكمة . وقسما بذاته العزيز ، لا توجد كلمة للتعبير عن حقيقة التوحيد الذاتي ، اسمى وأفضل من هذا التعبير . وينبغي على كل أصحاب المعارف ، السجود أمام هذا العرفان التام المحمدي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأما هذا الكشف الجامع الأحمدي وهذه الآية المحكمة الإلهية ، والسقوط على التراب إذلالا لها . وقسما بحقيقة العرفان والعشق ، إن العارف المجذوب ، والعاشق لجمال المحبوب ، عندما يسمع هذه الآية الشريفة ، تستولي عليه هزة ملكوتية ، وانبساط إلهي ، يقصر عن استيعابه أي موجود من الكائنات ، ويعجز عن شرحه البيان . فسبحان الله ما أعظم شأنه وأجل سلطانه وأكرم قدره وأمنع عزه وأعز جنابه ! .
إن الذين يأخذون على أحاديث العرفاء الشامخين ، وكلمات العلماء بالله ، وأولياء الرحمن ، من أنهم تجاوزوا حدودهم فمن اللياقة أن يتمعنوا في كلمات العرفاء الربانيين ، والسالكين المجذوبين ، ليتبينوا هل أن واحدا منهم استطاع أن يقدم ، أكثر مما تضمنت هذه الآية التامة الشريفة ، وهذا القرآن الكريم ؟ أو أنهم عرضوا متاعا جديدا في سوق المعارف ؟ إليكم هذه الكريمة الإلهية القرآن المجيد والكتب المشحونة من عرفان العرفاء للمقارنة بين المعارف المدونة فيهما حتى يتبين بأنهم يستوحون من القرآن الكريم .
في حين أن هذه السورة المباركة ، سورة الحديد وخاصة هذه الآيات المباركة الأولى منها تحتوي على معارف تقصر عنها أيادي آمال العارفين . وفي عقيدة هذا الكاتب تستبطن هذه الآية الشريفة على خصوصية تفوق الآيات الأخرى وهي : بيان أن الحق سبحانه هو الأول والآخر والظاهر والباطن ، حيث تقصر البلاغة عن الشرح ويعجز القلم عن الخوض فيه فلنتجاوز ولنترك إدراك واستيعاب ذلك ، لقلوب الأولياء والمحبين .
وأما الآية الشريفة الرابعة : « هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير» . فهي إشارة إلى خلق السماوات والأرض في ستة أيام واستوائه سبحانه على العرش .
لقد تحيرت في تفسير هذه الآية المباركة عقول أرباب العقل ، واتخذ كل حسب مسلكه في العلم وهواه في العرفان تفسيرا لهذه الآية المباركة . فذهب العلماء الظاهريون إلى أن المقصود من الخلق في ستة أيام هو أنه لو قدرنا فترة خلق السماوات والأرض وإنشائها لتطابق مع ستة أيام . وذهب الفيلسوف العظيم الشأن صدر المتألهين قدس سره إلى تطبيق تلك الأيام الستة على أيام الربوبية حيث يعد منها ، ألف سنة من سنيننا ، واعتبر رضوان الله تعالى عليه منذ نزول آدم حتى بزوغ الشمس المحمدي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ستة آلاف سنة الاربعون حديثا :598
صفحه ۵۹۷