591

الاربعون حديثا :595

فكما أن بيننا وبين الحق عز وجل حجبا من الظلام وحجبا من النور تمنعنا من مشاهدة ألطاف الحق سبحانه ، فكذلك بيننا وبين الكائنات الأخرى بل بيننا وبين أنفسنا حجب تفصلنا عن إدراك حياتها وعلمها وكافة شؤوناتها . والأسوء من كل الحجب هو حجاب إنكار حياة الموجودات وعلمها وشؤونها الأخرى انطلاقا من الأفكار المحجوبة التي تمنع الإنسان من كل شيء . وخير وسيلة لأمثالنا المحجوبين هو التسليم والتصديق لآيات الله الكريمة وأحاديث أوليائه ، وسد باب تفسير القرآن بالرأي ، وتطبيقه على الواقع الخارجي عبر هذه العقول الضعيفة .

إذا فرضنا إمكان تأويل آيات التسبيح ، على أساس التسبيح التكويني أو الفطري فماذا نستطيع أن نفعل مع هذه الآية المباركة : «قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون »؟ (1) أو الآية المباركة «فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سباء بنباء يقين* أني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم» (2) أو الأخبار المأثورة عن أهل بيت الطهارة والعصمة الموجودة في أبواب مختلفة والصريحة في وعي الحيوانات والكائنات الأخرى ، والتي تمتنع التأويل ؟

وملخص الكلام أنه لا بد من اعتبار حياة الكائنات وتسبيحها عن وعي وإدراك ، من البديهيات والضروريات في الفلسفة العالية ، ومن مسلمات أصحاب الشرائع والعرفان . ولكن لكيفية تسبيح كل موجود ، وللأذكار الخاصة بكل واحد من الكائنات ، وأن للإنسان الذكر الجامع ولكافة الموجودات أذكار تتناسب مع نشأتها وتكوينها ، ولكيفية تسبيح كل موجود أبحاث ودراسات : إجمالها أن هناك مقياسا علميا وعرفانيا يرتبط بعلم الأسماء ، وتفصيلها يرتبط بالعلوم التي تشهد بالعيان وتكشف على الإنسان ، وهي مختصة بالأولياء الكاملين .

وقد بينا في الفصل السابق بأن «بسم الله » من كل سورة ، يتعلق بنفس تلك السورة المبدوءة به ، وعليه يكون «بسم الله» من هذه السورة ، سورة الحديد ، متعلقا ب «سبح لله» . ويستفاد من الآية المباركة المذهب الحق في مسألة الجبر والتفويض ، لأن فيها نسبتان : نسبة إلى اسم الله الذي هو مقام المشيئة الفعلية ، ونسبة إلى الأشياء الموجودة في السماوات والأرض ، بصورة لطيفة تعد منتهى كشف أرباب الشهود والمعرفة . وتقديم النسبة إلى مشية الله لأجل إفهام قيومية الحق ، وتقديم حيثية «يلي الله» على حيثية «يلي الخلق» .

ولولا مخافة الإطالة والإسهاب في الحديث لذكرت حقيقة التسبيح وملازمته للتحميد ، وأن صدور كل تسبيح وتحميد من كل مسبح وحامد ، يكون لأجل الحق عز وجل ، وأن التسبيح والتحميد يكونان باسم الله ولاسم الله ، وإن إسمي : العزيز الحكيم ، مختصان بالله ، ولشرحت الاربعون حديثا :596

صفحه ۵۹۵