590

مع قوله تعالى : «الله نور السموات» .

فصل: في اشارة مختصرة الى تفسير الايات الستة الشريفة المبدوءة

بها في سورة الحديد

أما الآية الشريفة الأولى : «سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم» فتدل على تسبيح جميع الكائنات حتى النباتات والجمادات لله سبحانه . ومن خص التسبيح بذوي العقول من الموجودات ، فهو نتيجة احتجاب عقول ذوي العقول . ولو فرضنا بأن هذه الآية المباركة تقبل التوجيه والتأويل لتسبيح الكائنات ، ولكن هناك آيات شريفة أخرى لا تقبل التأويل والتفسير مثل قوله تعالى : «ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس» (1) . وإن تأويل التسبيح إلى التسبيح التكويني أو الفطري ، يكون من التأويل البعيد الموهون ، حيث تأباه الأحاديث والآيات الشريفة ، وترفضه البراهين السديدة الفلسفية ، وينكره المسلك العرفاني الجميل .

والعجيب من الفيلسوف الكبير ، والعالم الجليل صدر المتألهين قدس سره الذي لا يرى التسبيح في هذه الآيات ، تسبيحا نطقيا ، مفسرا نطق بعض الجمادات مثل الأحجار الصغيرة ، بإنشاء النفس المقدسة للولي ، الأصوات والألفاظ حسب وضع الجماد والنبات . ورأى بأن قول بعض أهل المعرفة من أن لجميع الكائنات نطقا ، مخالف للبرهان ، وملازم للتعطيل ودوام القسر .

رغم أن هذا الكلام يغاير المبادئ والأصول التي ارتآها ، وانطلق منها . مع العلم بأن صريح الحق ولب لباب العرفان ينسجم مع دعوى السابق من دون أن يستلزم مفسدة . ولولا خشية التطويل والتفصيل لشرحنا ذلك بكل مقدماته وملابساته . ولكننا نرتضي الإشارة الإجمالية إليها ونقتنع بها .

لقد أشرنا في الماضي إلى هذا المعنى بأن حقيقة الوجود عين الشعور والعلم والإرادة والقدرة والحياة وكافة الشؤون الحياتية ، فإذا لم يكن لشيء علم ولا حياة نهائيا فليس له وجود . ومن ذاق طعم حقيقة أصالة الوجود واتشراكه المعنوي ، على مسلك العرفاء مثل العلم والإرادة والتكلم و... وإذا بلغ مقام المشاهدة بواسطة ترويض النفس والحالات المعنوية ، لشاهد بأم عينه وسمع دوي تسبيح الموجودات وتقديسها . ومن المؤسف أن سكر المادة والطبيعة قد أوهن العين والسمع والحواس الأخرى ، ومنعنا من الوقوف على الحقائق الوجودية والهويات العينية .

صفحه ۵۹۴