579

بأن دراساتهم تدور حول أفعال المكلفين .

والخلاصة أننا لا نقترب من أقوال المتكلمين وأبحاثهم ، وإنما نبحث عن قول الحق في الموضوع . وقد ثبت وإتضح عدم إمكان التفويض في اي أمر من الأمور ولأي موجود من الكائنات .

في إبطال الجبر

ويعلم بطلان مذهب الجبر أيضا ، بعد أن نشير إليه وهو : (أنه لا دور لأي واسطة وجودية في خلق الكائنات والموجودات ، وإنما يتوهم الإنسان ذلك . مثلا : إن النار لا تؤثر أبدا في الحرارة ولا توجدها ، وإنما جرت سنة الله على تحقق الحرارة إثر تحقق النار ، من دون أن يكون للنار دور في ذلك . ولو كانت سنة الله جارية على تحقق البرودة عقيب تحقق النار ، لما اختلفت الأمور عما هو عليه الآن . والخلاصة أن الحق سبحانه من دون أي واسطة ، يباشر جميع أفعال المكلفين ، ويخلق آثار الكائنات) . ويزعمون أنهم ارتأوا هذا المذهب كي ينزهوا الحق المتعالي ويقدسوه ، حتى لا تكون يد الله مغلولة «غلت أيديهم ولعنوا» (1) ولكن يستلزم هذا الضرب من التنزيه والتقديس ، النقص والتشبيه ، كما ثبت ذلك بالأدلة والبراهين ، ولدى مذهب أهل العرفان . ويستلزم التفويض المذكور التعطيل ، كما أشير إليه في الفصل المتقدم حيث قلنا : بأن الحق سبحانه كمال مطلق ، ووجود صرف ، ولا يتصور الحد والنقص في ذاته وصفاته ، وأن متعلق إيجاده عز وجل وجعله ، الموجود المطلق ، والفيض المقدس الإطلاقي ، ولا يمكن صدور الموجود المحدود الناقص من الذات المقدس ، ونشوئه من النقص في الإيجاد ، بل هو نتيجة النقص في المعلول والمستفيض ، وهذا لا يتنافى مع الفاعل بالإرادة كما يزعم المتكلمون منافاته . وقد ثبت ذلك في محله . فما يمكن أن يكون مرتبطا من الموجود والمعلول ، بالذات المقدس الحق المتعالي مباشرة هو الموجود المطلق وصريح الوجود وهو إما الفيض المقدس بناء على مسلك العرفاء ، أو العقل المجرد أو النور الشريف الأول بناءا على مذهب الحكماء والفلاسفة ، وأما الوجودات الأخرى فتوجد مع الوسائط لا بالمباشرة .

وبعبارة أخرى لا شك في أن الموجودات تختلف فيما بينها من جهة تقبل الوجود ، فبعض الموجودات ، تقبل الوجود ابتداءا واستقلالا مثل الجواهر ، وبعض الموجودات لا تقبل الوجود إلا بعد موجودية شيء آخر ، وتبعا لموجود آخر ، مثل الاعراض ، والأشياء التي يكون وجودها ضعيفا ، مثل تكلم زيد ، حيث لا يتحقق ولا يوجد إلا تبعا لزيد . ومثل الأعراض والأوصاف حيث تأبى الوجود من دون وجود الجواهر والموصوف ، وترفض التحقق لوحدها . ويكون هذا الاربعون حديثا :584

صفحه ۵۸۳