578

الاربعون حديثا :582

فصل: في بيان كيفية اجراء الحق سبحانه الخير والشر على ايادي عباده

يتبين لأصحاب العلم التحقيق بعد التأمل في الأبحاث السابقة ، كيفية إجراء الحق سبحانه ، الخير والشر على أيدي مخلوقه ، من دون أن يستلزم الجبر وآثاره الباطلة . والتحقيق في ذلك على مستوى يتضح الموضوع وتندفع الملاحظات ، يستدعي ذكر مقدمات كثيرة ، وعرض المذاهب الفلسفية بصورة مسهبة ، في حين أن هذا الكتاب لا يسع ذلك ، فاعتذر عن الخوض فيه بصورة مفصلة ، ولكنني سأشير بصورة مجملة تنسجم مع بحثنا هذا .

إعلم أنه لا يمكن أن يكون موجودا من الكائنات مستقلا في عمل من الأعمال ، إلا بعد أن ينهض الموجد والفاعل ، بسد كافة أبواب العدم التي قد تنفتح على المعلول . مثلا إذا كان لموجود معلول مائة شرط في تحققه ووجوده ، وقامت العلة بتوفير تسع وتسعين شرطا أي بإغلاق تسع وتسعين بابا من العدم المنفتحة على الموجود المعلول إذ في عدم تحقق كل شرط عدم للمعلول ولم يبق إلا باب واحد ، لما أمكن أن تكون العلة مستقلة في إيجاد المعلول ، فالاستقلال في العلية يتوقف على قيام العلة بسد أبواب العدم الممكن فتحها على المعلول سدا نهائيا ، حتى يصل المعلول إلى حد الوجوب لكي يصير موجودا الشيء ما لم يجب لم يوجد .

ومن المعلوم بالضرورة والبرهان ، أن القوى الفعالة الظاهرية والباطنية من جميع الممكنات في هذا العالم من أهل عالم الجبروت العظمى والملكوت العليا حتى سكان عالم الملك والمادة ، قاصرون وعاجزون عن القيام بمثل هذا العمل ، لأن العدم الأول الذي يمكن أن ينفتح على المعلول ، هو عدم المعلول عند عدم علته الفاعلة والمؤثر ، ولا تجد في سلسلة الممكنات موجودا يستطيع أن يغلق هذا الباب بنفسه ، لان ذلك يوجب انقلاب ما هو ممكن بالذات إلى ما هو واجب بالذات ، وخروج الممكن عن حدود بقعة الإمكان ، وهو محال بالبداهة والضرورة ، لدى العقل . فاتضح بأن الاستقلال في الإيجاد يتطلب الاستقلال في الوجود ، وهذا الشيء لا يتحقق في عالم الممكنات .

ويتبين بأنه لا يمكن التفويض في الإيجاد ، في أي شأن من الشؤون الوجودية ، ولأي موجود ، من الكائنات . وأن عدم الإمكان هذا ، لا يختص بالمكلفين وأفعالهم ، كما يفهم الإختصاص من الكلمات الجارية على ألسنة المتكلمين ، ولكن ملاحظة أقوالهم في الأبواب المختلفة ، تفيد أن عدم الإمكان هذا يعم المكلف وأفعاله وغيرهما .

وحيث أن أصحاب علم الكلام قد اهتموا بأفعال المكلفين وجعلوها محور بحثهم ، نجد الاربعون حديثا :583

صفحه ۵۸۲