580

الرفض نتيجة النقص الذاتي ، والنقص الوجودي لهذا الموجود ، وليس من آثار نقص الفاعل وموجدية الحق تعالى شأنه . فتبين أن الجبر ونفي الوسائط الوجودية غير ممكن في سلسلة الكائنات الموجودة بل هناك وسائط في الإيجاد .

ومن البراهين القوية السديدة في موضوع بطلان الجبر هو أن الماهيات في نفسها عديمة التأثير والتأثر ، وغير مجعولة بالذات ، في حين أن حقيقة الوجود بذاته منشأ للتأثير وأن سلب التأثير عنه بصورة مطلقة يستلزم الانقلاب الذاتي أي سلب ما هو من ذاته التأثير عن ذاته وهو عبارة عن عدم التأثير . فإيجاد مراتب من الوجود غير مؤثرة ومسلوبة التأثير كليا ، غير ممكن ، وموجب لنفي الشيء عن ذاته بل تكون مؤثرة وموجدة حسب الوسائط والمراتب .

فتبين بصورة مجملة أن مذهب التفويض والجبر نتيجة البراهين القاطعة ، والمقاييس العقلية يكونا باطلين وممتنعين ، وأن مذهب الأمر بين الأمرين لدى أهل المعرفة والفلسفة العالية هو الثابت والصحيح .

غير أن العلماء رضوان الله عليهم قد اختلفوا في معنى الأمر بين الأمرين اختلافا عظيما ، والقول السديد المتقن ، الذي يكون أبعد من المناقشات وأقرب إلى التوحيد ، هو رأي العرفاء الشامخين وأصحاب القلوب . ولكن مسلك العرفاء في كل موضوع من المعارف الإلهية من قبيل (السهل الممتنع) حيث لا يمكن فهمه على أساس البحث والبرهان ، ولا استيعابه من دون التقوى الكاملة والسداد الإلهي ، ولهذا نتركه لأهله الذين هم أولياء الحق سبحانه ، ونسلك منهج الأصحاب في البحث وهو :

أننا نرفض كلا من التفويض الذي هو عبارة عن استقلال الموجودات في التأثير ، والجبر الذي هو عدم تأثير الموجودات نهائيا ، ونؤمن بالمنزلة بين المنزلتين التي هي إثبات التأثير ونفي الاستقلال في التأثير ، ونقول :

إن منزلة الإيجاد مثل الوجود وأوصافه ، فكما أن الكائنات موجودة وليست بمستقلة في الوجود ، وأن الأوصاف ثابتة لها وغير مستقلة فيها ، وأن الآثار والأفعال ثابتة فيها وصادرة عنها ولكنها غير مستقلة في الوجود ، فكذلك الفاعل والموجد ، يفعل ويوجد ولكنه غير مستقل في الفاعلية والإيجاد .

ولا بد من معرفة أنه قد إتضح بعد التدبر في البيان المذكور في الفصل المتقدم بأن كلا من الخير والشر يصح أن ينتسب إلى كل من الحق والخلق ، ولهذا قال عليه السلام في الحديث الشريف «وخلقت الخير وأجريته على يدي من أحب فطوبى لمن أجريته على يديه ، وأنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخلق وخلقت الشر وأجريته على يدي من أريد» ومع ذلك تكون نسبة الخير إلى الحق الاربعون حديثا :585

صفحه ۵۸۴