561

حصر معنى الحديث في ذلك ، حتى يكون من قبيل الرجم بالغيب والتفسير بالرأي ، بل هو من أجل دفع توهم حصر معاني الأحاديث المنقولة في باب معارف أصول الدين ، في المعاني الرائجة العرفية .

وإن الملم بأحاديث الأئمة عليهم السلام يعرف بأن تفسير الأخبار المأثورة عنهم عليهم السلام في العقائد ومعارف أصول الدين على أساس الفهم العرفي الشائع لا يكون سديدا وصحيحا ، بل إنها تحتوى على أدق المعاني الفلسفية ، وقمة معارف أهل المعرفة . ومن يرجع إلى كتاب (أصول الكافي) وكتاب (التوحيد) للشيخ الصدوق عليه الرحمة ، يذعن لما قلناه .

ولا يتنافى هذا التفسير الدقيق العرفاني مع صياغة أئمة أهل المعرفة ، العلماء بالله لكلامهم الشريف في اسلوب جامع ، تقطف كل طائفة حسب مسلكها قدرا من الثمار ، ولا يحق لأحد أن يقصر الحديث في المعنى الذي ارتآه . مثلا : نستطيع أن نشرح الحديث الشريف المذكور ، شرحا عرفيا رائجا يتطابق مع ظهور الألفاظ وفهم الناس بأن نقول أن معنى «إعرفوا الله بالله» هو إعرفوا الله بآثار صنعه واتقان عمله اللذين يكونان من آثار الألوهية . كما أنه يجب معرفة النبي بالرسالة وآثاره المتقنة لدعوته ، ومعرفة أولي الأمر بكيفية أعمالهم من قبيل الأمر بالمعروف والعدالة . حيث نتعرف من خلال الآثار على أصحابها . وهذا لا يتنافى مع وجود معنى أدق للحديث ، يكون بمثابة البطن له . ووجود معنى آخر أيضا أدق من المعنى الثاني يكون بمنزلة بطن البطن .

وعلى أي حال إن مقارنة كلام الأولياء عليهم السلام بكلام أمثالنا غير صحيحة ، كما أن قياس أشخاصهم عليهم السلام على أشخاص من أمثالنا مجحف وباطل . ولا أستطيع أن أشرح هذا الموضوع الغامض بصورة مفصلة مع بيان فلسفته وسببه .

ومن غرائب الأمور : أن بعضا يطعن في هذه المعاني الرقيقة العرفانية والفلسفية ويعترض عليها قائلا : إن أحاديث أئمة الهدى عليهم السلام لتوجيه الناس ، فلا بد وأن تتوافق مع الفهم العرفي ، ويجب أن لا تصدر عنهم المفاهيم الفلسفية أو العرفانية التي لا ينالها الفهم العرفي لعامة الناس .

إن هذا افتراء مستنكر وتهمة بذيئة نجمت عن قلة التدبر في أخبار أهل البيت عليهم السلام ومعارف الأنبياء وعدم التجوال فيها .

فواعجبا لو أن الأنبياء والأولياء عليهم السلام لم يقصدوا تعليم الناس ، دقائق التوحيد ، ومعارف الأنبياء فمن كان بإمكانه أن ينهض بمثل هذا التعليم ؟

هل أن التوحيد والمعارف الأخرى العقائدية ، لا تستبطن الدقائق العلمية ، وإن الناس الاربعون حديثا :566

صفحه ۵۶۵