چهل حدیث
الاربعون حديثا
يعد مبدأ للوجود ، ومصدرا لكمالاته .
وإن كان مقصودهم من إرجاع الإرادة ، والسمع والبصر إلى العلم أو العلم إلى الإرادة ، والسمع والبصر ، هو أن حيثية العلم والإرادة في الحق سبحانه حيثية واحدة وأنه لا حيثيات مختلفة للبصر والسمع والعلم في الحق المتعالي ، فهو كلام صحيح وموافق للبرهان ، ولكنه لا وجه لاختصاص هذا الكلام بهذه الأوصاف لأن جميع الأوصاف الكمالية تعود إلى حقيقة الوجود الصرف . ولا يتنافى هذا البيان مع ثبوت الأوصاف المتغايرة الكثيرة لذات الحق سبحانه ، بل يكون مؤكدا وداعما لها ، لأننا بينا بأن الوجود كلما كان أقرب إلى أفق الوحدة وأبعد من دائرة الكثرة كلما كان أجمع وأشمل تجاه الأسماء والصفات ، إلى أن نبلغ مقام صرف الوجود ، والحقيقة البسيطة الواجبة جلت عظمته وعظمت قدرته الذي هو في منتهى الوحدة والبساطة ، ومستجمعا لجميع الكمالات ، وجامعا لجميع الأسماء والصفات ، حيث تصدق جميع مفاهيم الكمال ومعاني الجلال والجمال على نحو الحقيقة لا المجاز عليه سبحانه ، ويكون صدقها على الذات المقدس الحق ، أولى وأجدر بكل معاني ومراتب الأحقية والأولوية .
وخلاصة البيان أن الوحدة كلما كانت في الوجود أقوى وأتم ، كلما كان صدق مفاهيم الكمال عليه أوفى ، وعدد الأسماء والصفات فيه أوفر . وعلى العكس ، كلما كان الموجود إلى الكثرات أقرب ، كان صدق مفاهيم الكمال عليه أقل وكان ما تصدق عليه من مفاهيم الكمال ، أوهى وأقرب إلى المجاز دون الحقيقة وكل ذلك من أجل أن الوحدة تساوي الوجود ، وتعتبر من كمالات الموجود بما هو موجود ، ومعنى مساواة الوحدة للوجود ، هو أن الوجود مع الوحدة وإن اختلفتا مفهوما ، ولكن حقيقة الوجود نفس حقيقة الوحدة ، في الخارج كما أنه أينما كانت الكثرات كان هناك النقص والعدم والشر والضعف والفتور .
ولهذا كلما تهاوى الوجود في منحدر المراتب النازلة كانت الكثرات أكثر من جميع مراتب الوجود . ومقام الربوبية وساحته المقدسة جل وعلا التي تكون صرف الوجود ، الذي هو صرف الوحدة والبساطة ، من دون أن تقترب منها الكثرة والتركيب . وقد أشرنا سابقا بأن الوجود ، مبدأ حقيقة الكمال ، وينبوع الجلال والجمال . فصرف الوجود هو صرف الوحدة وصرف الكمال وصرف الوحدة ، هو صرف الكمال أيضا . وكلما كانت الوحدة في أسمى مراتبها في الموجود ، كانت مفاهيم الأسماء والصفات والكمالات بأسرها صادقة عليه ، وكان صدق مفهوم كل واحد منها عليه أولى وأحسن . وعلى العكس كل موجود يدنو من الكثرات أكثر ، يكون نقصه أكثر ، وصدق مفاهيم الكمال والأسماء والصفات له أقل ، وملاك الصدق وكيفيته أوهن .
صفحه ۵۵۱