546

العلم وأن إرادته وسمعه وبصره قد سميت بالعلم ، فهذا باطل وتقول فضيع على الحق سبحانه ، لأنه يستلزم أن يكون الحق المتعالي مبدأ للوجود من دون أن تكون له إرادة واختيار .

مضافا إلى ذلك : أن المقياس في باب إتصاف الحق سبحانه بالأوصاف الكمالية هو أن تلك الصفة لا بد وأن تثبت للموجود بما أنه موجود ، حتى تكون الصفة كمالية ، أي تكون الصفة ، نفس حقيقة الوجود ، ومن كمالات أصل ذات الوجود . ولا ريب أن الإرادة من الصفات الكمالية للحقيقة المطلقة الوجودية . ومن هنا كلما تنزل الوجود نحو المنازل السافلة ، كلما ضعفت الإرادة فيه ، حتى يصل إلى درجة تسلب منه الإرادة ، ويراه الناس عديم الإرادة ، مثل الأمور الطبيعية من قبيل المعادن والنباتات . في حين أن الوجود كلما سما نحو الكمالات وتصاعد نحو الأفق الأعلى كلما ظهرت الإرادة فيه أكثر وأقوى ، كما نلمس ذلك في تسلسل الموجودات الطبيعية حيث أنه عندما نتجاوز مقام الهيولى والجسم والعنصر والمعدن والنبات تظهر الإرادة والعلم وكلما صعدنا أكثر كملت هذه الجوهرة أكثر ، حتى أن الإنسان الكامل يملك إرادة كاملة يستطيع أن يحول العنصر إلى عنصر آخر فإن عالم الطبيعة خاضع لإرادته . فنكتشف بأن الإرادة من الصفات الكمالية للوجود ، وللموجود بما أنه موجود ، ونثبت هذه الحقيقة للذات المقدس الحق من دون رجوع إلى حقيقة أخرى .

وهكذا نجد بعد الدراسات العميقة الجديرة بالإذعان والتصديق أن السمع والبصر من كمالات الموجود المطلق ، فإن حقيقة السمع والبصر لا تقوم بالأدوات الجسمية ولا تكون من العلوم المادية المرتبطة بالآلات والأدوات ، بل المحتاج إلى الآلات هو النفس عندما تكون في عالم الطبيعة وترتبط بالبدن ، لكي يتم ظهور السمع والبصر . كما أنها في مقام العلم تحتاج أيضا إلى أداة تدعى بأم الدماغ ، لكي يتحقق العلم ويظهر في عالم الملك والطبيعة . وهذا الاحتياج والنقص ينجم عن عالم الطبيعة والملك وليس من قصور ونقص في العلم والسمع والبصر .

ثم إن السمع والبصر لو تجردا ، واستغنيا عن المادة ، لاستطاعا البلوغ إلى مستوى رؤية حقائق عالم الغيب ، وسماع كلام الملكوتيين من الملائكة والروحانيين في الملأ الأعلى . كما أن موسى كليم الله في مناجاته ، كان يسمع كلام الحق وأن خاتم المرسلين المكرم كان يتحدث مع الملائكة ، ويرى الصورة الملكوتية لجبرائيل ، من دون أن تسمع أذن أحد ذلك الحديث حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع جبرائيل وتبصر عين ذلك المشهد رغم حضور بعض الناس لدى نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعدم مشاهدتهم للمشهد .

وملخص القول إن السمع والبصر من العلوم الزائدة على أصل العلم ، وأنهما يغايران حقيقة العلم ويعتبران من الكمالات المطلقة للوجود ، فلا بد من إثباتهما للحق المتعالي الذي الاربعون حديثا :551

صفحه ۵۵۰