چهل حدیث
الاربعون حديثا
الاربعون حديثا :548
وأما بيان هذا الموضوع الإيماني الشريف على مسلك المحققين من الفلاسفة فهو أنه بعد أن تبين في الفصل السابق ، أن الحق سبحانه وجود صرف وكمال صرف وأن الوجود الصرف مع بساطته ووحدته التامة ، جامع لجميع الكمالات ، ومستجمع لكمال جميع الموجودات ، وأن ما يكون خارجا عن إحاطته الوجودية فهو عدم ونقص وقصور ولا شيئية ، وأن نسبة المراتب الأخرى الوجودية إلى ذاته المقدس نسبة النقص إلى الكمال . بعد هذا نقول بأن العلم بالكمال المطلق علم بمطلق الكمال من دون نقص وقصور ، ومثل هذا العلم ، عين الكشف التفصيلي الكلي البسيط ، من دون أن يخرج من إحاطة علمه ، ذرة من الموجودات ، أزلا وأبدا ومن دون أن تتطرق إليه سبحانه الكثرة والتركيب .
وأما على مسلك العرفاء ، فهو أن الحق سبحانه وتعالى مستجمع لجميع الأسماء والصفات ، في مقام الواحدية ، ومقام جمع الأسماء ، وأن الأعيان الثابتة لجميع الموجودات ، من لوازم الأسماء الإلهية في مقام جمع الأسماء في الأزل ، قبل الإيجاد . وأن التجلي المطلق للذات سبحانه من مقام الأحدية وغيب الهوية ، هو كشف لجميع الأسماء والصفات ولوازمها من الأعيان الثابتة لكافة الموجودات ، بتجلي واحد ، وكشف بسيط مطلق . إذن يتم من خلال الكشف العلمي بواسطة تجلي الفيض الأقدس ، كشف الذات والأسماء والصفات والأعيان ، من دون حصول كثرة وتركيب .
وهذان المسلكان في منتهى الاتقان والسداد والمعرفة ، ولكن من جهة صعوبتهما ، وتوقفهما على استيعاب مبادئ فلسفية كثيرة وفهم مصطلحات أهل الله ، وأصحاب القلوب العرفاء ومن جهة أنه لولا معرفة تلك المقدمات والأنس التام والتمام بها وممارستها وحسن الظن الكامل بالعلماء بالله لما إستفيد شيء من هذه الأبحاث ، بل ازداد التحير ، وتضاعف التعقيد . فالأولى اللجوء في توضيح الموضوع إلى بيان سهل قريب إلى أفهام الناس .
فنقول : إن علية واجب الوجود تعالى شأنه ، ومبدئيته ، تختلف عن علية الفاعل الطبيعي ، حيث أن العلة الطبيعية تركب المواد الموجودة ، وتجزأها ، مثل النجار الذي يغير القطعة الخشبية ، فيزيد قطعة وينقص أخرى . ومثل البناء الذي يجمع ويركب المواد الموجودة ، ولكن الحق المتعالي فاعل إلهي يخلق الأشياء بإرادته من دون حاجة إلى مواد أولية مسبقة ، وأن علمه وإرادته علة الظهور ووجود الأشياء ، فدار التحقق محاطة بعلمه ، وتخرج من غيب الهوية ، عندما يريد الله سبحانه إظهاره «وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو» (1) .
يقال إن مثل عالم الأعيان الخارجية بالنسبة إلى ذاته المقدس جل جلاله ، مثل الذهن الاربعون حديثا :549
صفحه ۵۴۸