540

الكمالية الحقيقية ، مثل العلم والقدرة والسمع والبصر . وهذا من المباحث المهمة التي يكون الإسهاب فيها خارجا عن حدود هذا الكتاب . ونحن نشير إلى المذهب الحق الموافق للبراهين السديدة للفلاسفة والمطابق لمنهج أهل المعرفة .

إعلم أنه قد ثبت في محله ، أن ما هو من سنخ الكمال والجمال والتمام ، فهو راجع إلى عين الوجود ، وحقيقته ، وأن الشيء الوحيد الأصيل الشريف في هذا الكون الذي يكون مصدرا لكل الكمالات ، ومصدرا لكافة الخيرات ، هو حقيقة الوجود . وإذا لم تكن الكمالات عين حقيقة الوجود ، وكانت مغايرة في حاق الواقع مع حقيقة الوجود ، للزم تحقق أصلين في عالم الوجود ، ولبعث على مفاسد كثيرة . فكل ما يكون كمالا ، لا يكون بحسب المفهوم والماهية كمالا ، وإنما يكون كمالا بواسطة تحققه وتحصله في عالم الأعيان ، وما هو موجود ومتحقق في حاق الأعيان ونفس الأمر هو أصل واحد ، وهو الوجود فيعود كل ما هو كمال إلى أصل واحد وهو حقيقة الوجود .

وقد ثبت أيضا أن حقيقة الوجود ، أمر بسيط من جميع الجهات ، وبريء من التركيب بصورة مطلقة ، ما دام محافظا وباقيا على ذاته الأصيلة ، وحقيقته الخالصة . وإذا تنزل عن أصالته وحقيقته ، لغدا مركبا عقليا أو خارجيا حسب مشهده ، ومنزلته . فهو بسيط ذاتا ومركب نتيجة طرو أمر غريب عرضي خارج عن ذاته . وتستفاد من هذا البيان المذكور ، قاعدتان :

القاعدة الأولى : أن البسيط من جميع الجهات هو بنفسه جميع الكمالات من حيثية واحدة ، وجهة فريدة ، فمن الحيثية التي بها صار البسيط من جميع الجهات موجودا ، يكون عالما وقادرا وحيا ومريدا ، ويصدق عليه جميع الأسماء والصفات الجمالية والجلالية ، فهو عالم من حيث أنه قادر ، وقادر من حيث أنه عالم من دون أدنى اختلاف اعتباري حتى لدى العقل . وأما تغاير مفاهيم الأسماء ، والموضوع الألفاظ في اللغة ، والتي تكون مفاهيم عقلية متصورة على نحو لا بشرط من دون تقييدها بالمدلول البسيط أو المركب فهذا التغاير لا يتسرب إلى الحقيقة العينية ومن الواضح أن المفاهيم المختلفة للكمال ، تنتزع من شيء واحد ، بل حسب البيان المتقدم أن بسيط الحقيقة ، بسيط من جميع الجهات وعليه لا بد من انتزاع كل المفاهيم الكمالية من حيثية واحدة . وإذا انتزعت مفاهيم الكمال من حيثيات مختلفة ومصادر متعددة كما هو شأن بعض الممكنات ، لكان هذا التغاير أمرا عرضيا طارئا وناتجا من تنزل حقيقة الوجود ، وتشابكه مع العدم بالعرض .

القاعدة الثانية : إن الكامل من جميع الجهات وإن ما هو صرف الكمال والخير لا بد وأن يكون بسيطا من جميع الجهات .

وتستفاد أيضا بالتبع قاعدتان أخريتان هما :

صفحه ۵۴۴