535

وراء ذاته وظهوره وتجليه المقدس . لأن كل فاعل عندما أوجد شيئا وإبتغى من عمله غير ذاته مهما كانت هذه الغاية حتى إذا كانت إيصال الفائدة والمثوبة للغير ، أو كانت الغاية العبادة والمعرفة أو الثناء والحمد كان هذا الفاعل مستكملا بهذه الغاية وكان وجود هذا الهدف بالنسبة إليه أولى من عدمه ، وهذا يستلزم النقص والقصور فيه وانتفاع الفاعل به ، وهو محال على الذات المقدس الكامل على الإطلاق ، الغنى بالذات الواجب من جميع الجهات ، فلا يستفسر عن أفعاله ولا يوجه إليه لم و«لا يسأل عما يفعل» . وأما الموجودات الأخرى فإنها تستبطن في أفعالها أغراض ومقاصد أخرى غير ذواتها . فإن عشاق جمال الحق والمقربين إليه والمجذوبين نحوه يكون هدفهم البلوغ إلى باب الله ، والوصول إلى لقاء الله ، والتقرب نحو ساحة قدسه الإلهي . وإن الكائنات الأخرى فهي حسب كمالها ونقصها وقوتها وضعفها أن تستهدف ، ما هو زائد على ذواتها .

وخلاصة القول إن ما يكون كمالا مطلقا وواجبا بالذات ، كان واجبا من جميع الجهات . وعندما لا يصح توجيه الاستفسار نحو ذاته المقدس كانت أفعاله أيضا بعيدة عن توجيه السؤال نحوها . على خلاف سائر الموجودات فإنه يصح السؤال عن سبب وجودها كما يصح الاستفهام عن أفعالها .

وأيضا لما كان ذاته المقدس كاملا مطلقا وجميلا مطلقا ، صار كعبة لآمال كافة الموجودات وهدفا منشودا لجميع الكائنات ، في حين أنه سبحانه لا مقصد من خلقه وأفعاله ولا كعبة لآماله وراء ذاته ، لأن الموجودات الأخرى ناقصة بالذات ، وإن كل ناقص مهروب عنه بالفطرة كما أن كل كامل مرغوب فيه ، فالذات المقدس غاية جميع الحركات والأفعال ، ولا توجد غاية وراء ذاته المقدس «لا يسأل عما يفعل وهم يسألون» .

وأيضا لما كان ذاته المقدس في المنتهى الأقصى من الجمال والكمال ، كان نظام دائرة الوجود الذي هو ظل ذلك الجمال الحق سبحانه ، في الغاية القصوى من الكمال الممكن ، وعليه يكون هذا النظام الكلي الموجود أتم الأنظمة المتصورة ، فيكون الاستفهام عن الغاية والغرض والفائدة ، منبعثا عن الجهل والنقص . كما أن إبليس اللعين وجه أسئلة سبعة معروفة من جراء جهله ، وأجابه الله سبحانه إجمالا وعلى أساس «وجادلهم بالتي هي أحسن جوابا واحدا عن أسئلته السبعة» فالله سبحانه لا يسأل لأن فعله في منتهى الكمال وتسأل الكائنات الأخرى لنقصها الذاتي والفعلي .

وأيضا إن الحق المتعالي حكيم بصورة مطلقة ، فما يصدر منه من الأفعال يكون في منتهى الاتقان فلا يسأل ، في حين أن الموجودات الأخرى تسأل لأنها ليست كذلك .

وأيضا إن كل ما يصدر من وجوده المقدس ، فهو صادر من حقيقة ذاته وأصل حقيقته ، الاربعون حديثا :540

صفحه ۵۳۹