چهل حدیث
الاربعون حديثا
لأنها ذاتية بل لأنها أدون من مرتبة الجعل ، فلا يتعلق بها الجعل . وأما الحديث المعروف «السعيد سعيد في بطن أمه ، والشقي شقي في بطن أمه» فله معنى آخر يعود إلى العلم بالأسماء والصفات ولا يناسب المقام ذكره .
وبعد هذا البيان الصحيح المستدل ، نواجه شبهة مظنونة أخرى وهي أننا حسب البيان المذكور عزلنا الكائنات الموجودة عن الخير والسعادة ، عندما ربطناها بالحق المتعالي وهذا من الجبر المرفوض . وجعلنا الشر والشقاء من الإنسان وعزلناها عن القدرة الواجبة وهذا من التفويض المستنكر ، وذاك الرفض وهذا الاستنكار ثابتان على مذهب العرفاء وعلى ضوء الأدلة الفلسفية فكيف يتم التوفيق بين الكلام السابق وما يلازمه من الجبر أو التفويض ؟
فأجاب الإمام صلوات الله وسلامه عليه حسب الدليل المذكور في الكلام الذي قلنا وتحقيق ذلك . إن الحق المتعال أولى بالحسنات من العباد وهم أولى بالسيئات من الذات المقدس للحق ، وفي إثبات هاتين الأولوتين ، إثبات الانتساب إلى الطرفين .
أما بيان أولولية الحق سبحانه في الخير من عباده ، فلأجل أن نسبة الخير إلى مبدء المبادئ نسبة وجودية بالذات ، فإن الخير ذاتي الوجود وهو في الواجب عين الذات ، وفي الممكن بالجعل والإفاضة ، وعليه يكون مصدر إفاضة الخير من الواجب تعالى ، ولكن مرآة ظهوره ، ومظهره يكون الممكن . وتلك النسبة الظاهرية والمفيضة ، أتم من هذه النسبة المظهرية والقابلية .
وأما في السيئات والشرور فيكون الأمر معكوسا رغم صحة الانتساب إلى الطرفين لأن ما يفاض من الحق يكون خيرا ، ويلازمه تخلل الشر على أساس الانجرار والتبعية فتكون نسبة الشر إلى الحق بالعرض ، وإلى الماهية بالذات لنقصانها وقصورها . وقد تولت الآية الكريمة بيان هاتين النسبتين . فعندما تتحكم الوحدة وتتلاشى الكثرات والنقائص يقول سبحانه «قل كل من عند الله» (1) ولدى مراعات الكثرات بالعرض والوسائط يقول عز وجل «ما أصابك من حسنة فمن الله» (2) .
فصل: في بيان ان الحق تعالى لايسأل عما يفعل وهم يسالون
إعلم : يقول المحققون من الفلاسفة أنه لا يوجد غرض وغاية لأفعال الحق المتعالي سوى ذاته ، وتجلياته الذاتية ، ولا يمكن أن يكون لذاته الأقدس في إيجاد الأشياء هدف آخر الاربعون حديثا :539
صفحه ۵۳۸