چهل حدیث
الاربعون حديثا
الاربعون حديثا :537
فصل: في الاشارة الى مسألتي الجبر والتفويض
اشار الإمام الرضا عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الشريف بكل وضوح إلى مسألتي الجبر والتفويض والمذهب الحق وهو الأمر بين الأمرين ، والمنزلة بين المنزلتين ، الموافق لمسلك أهل المعرفة ، وأصحاب القلوب ، لانه أثبت المشيئة والقوة للعبد ، وفي نفس الوقت جعلها مشيئة الحق سبحانه . قائلا : (يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء وبقوتي أديت فرائضي وبنعمتي قويت على معصيتي) فلا تنتفي الأفعال والأوصاف والوجودات بصورة مطلقة ، كما لا يثبت للإنسان كل تلك الأمور بصورة مطلقة . إنك شئت ، ومشيئتك قد فنيت في ومشيئتك مظهر مشيئتي وتعينك مظهر تعيني . وتنهض بقوتك على طاعتي ومعصيتي ، مع العلم بأن قوتك وقدرتك مظهر قدرتي وقوتي .
ولما كان هناك توهم اشكال واعتراض وهو أنه بناءا على هذا العرض المذكور تنسب إلى الحق المتعالي النقائص والرذائل والمعاصي أيضا .
أجاب عليه السلام على هذا الزعم على أساس فلسفي برهاني وذوقي عرفاني ، من أن الحق عز وجل لما كان كمال صرف وخير محض وعين الجمال والبهاء ، كانت الكمالات والخيرات من ناحيته ، بل إن نظام الوجود ، وحقيقته في عالم الغيب والشهود ، عين الكمال وأصل الجمال والتمام . وما يعود إلى النقص والرذيلة والشر والوبال ، فهو عائد إلى العدم والتعين ومن لوازم الماهية . ولا يكون مجعولا ومفاضا من الحق سبحانه . بل إن الشرور الحاصلة في عالم الطبيعة وهذه النشأة الملكية الضيقة نتيجة التضاد بين الموجودات ، وعسر هذا العالم ، وأن التضاد بين الكائنات لا يكون مجعولا . فما هو من الخيرات والكمالات والحسنات فمن الحق ، وما هو نقص وشر ومعصية فمن الخلق . كما قال عليه السلام «ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك» .
إذن إن جميع أنواع السعادة الدنيوية والأخروية ، وجميع أنواع الخير الملكية والملكوتية قد أفيضت من ينبوع الخير والسعادة . وإن كافة أنواع الشقاء الدنيوي والأخروي وشرور هذا العالم والعوالم الأخرى من القصور الذاتي للموجودات ونقصها . وما هو المعروف أن السعادة والشقاء لا يكونان مجعولين بجعل الجاعل ، بل إنهما ذاتي الأشياء ، فلا أساس له بالنسبة إلى السعادة ، لأنها مجعولة ومفاضة من قبل الحق المتعالي ، إذ أن كل ذات من الذوات أو ماهية من الماهيات لا يكون سعيدا بل هو هلاك محض .
وأما بالنسبة إلى الشقاء ، فلأن الشقاء التام راجع إلى حيثية الماهية وهي غير مجعولة ، لا الاربعون حديثا :538
صفحه ۵۳۷