چهل حدیث
الاربعون حديثا
الاربعون حديثا :528
ويجب أن يعلم أن هذا الصحو بعد المحو والعود إلى عالم الكثرة ، تسمي بالقرب ، لأن هذا الصحو بعد المحو ، يختلف عن حالة الغفلة التي نعيشها ، وإن الوقوع في عالم الكثرة بعد المحو ، يغاير عالم كثرتنا الذي نعيش فيه لأن هذه الكثرة تكون حجابا لنا عن وجه الحق ، ومرآة المشاهدة لهم . «ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله معه وفيه وقبله وبعده» .
ونستطيع أن نعتبر القرب الحاصل بالنوافل فناءا إسميا ، والقرب الحاصل بالفرائض ، فناءا ذاتيا ، وعليه تكون النتيجة للتقرب عن طريق الفرائض المحو المطلق .
وليس من المناسب في هذا المقام إطالة البحث أكثر من ذلك ، كما أن هذا القدر من الكلام ، يكون خروجا عن طاقة استيعاب هذا الكتاب .
فصل: في نقل كلام الشيخ الاجل البهائي رضي الله عنه
قال الشيخ الجليل العارف البهائي رضوان الله تعالى عليه في كتاب (الأربعون) لدى شرحه لهذه الرواية الشريفة : «لأصحاب القلوب في هذا المقام كلمات سنية وإشارات سرية وتلويحات ذوقية تعطر مشام الأرواح وتحيي رميم الأشباح ، لا يهتدي إلى معناها ولا يطلع على مغزاها إلا من أتعب بدنه في الرياضات ، وعنى نفسه بالمجاهدات حتى ذاق مشربهم وعرف مطلبهم . وأما من لم يفهم تلك الرموز ولم يهتد إلى هاتيك الكنوز لعكوفه على الحظوظ الدنية وإنهماكه في اللذات البدنية ، فهو عند سماع تلك الكلمات على خطر عظيم من التردي في غياهب الإلحاد والوقوع في مهاوي الحلول والاتحاد . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . ونحن نتكلم في هذا المقام بما يسهل تناوله على الإفهام .
فنقول : هذا مبالغة في القرب ، وبيان لاستيلاء سلطان المحبة على ظاهر العبد وباطنه ، وسره وعلانيته فالمراد والله أعلم : إني إذا أحببت عبدي جذبته إلى محل الأنس وصرفته إلى عالم القدس ، وصيرت فكره مستغرقا في أسرار الملكوت وحواسه مقصورة على اجتلاء أنوار الجبروت ، فيثبت حينئذ في مقام القرب قدمه ويمتزج بالمحبة لحمه ودمه ، إلى أن يغيب عن نفسه ويذهل عن حسه فيتلاشى الأغيار من نظره حتى أكون له بمنزلة سمعه وبصره كما قال من قال :
جنوني فيك لا يخفى
وناري منك لا تخبو
فأنت السمع والأبصار
والأركان والقلب (1) الاربعون حديثا :529
صفحه ۵۲۸