چهل حدیث
الاربعون حديثا
الاربعون حديثا :527
ولا يحصل هذا المقام إلا مع الجذب الربوبي وجذوة نار العشق ، حيث يتقرب بها إلى الحق بصورة مستمرة ، ويسعف بواسطة الجذبة الربوبية التي تحصل إثر حب الذات المقدس ، حتى لا ينزلق في وادي الحيرة ، ولا يبتلى بالشطحات وغيرها التي تكون من رواسب الأنانية . وقد أشير إلى هذين الأمرين في قوله «وإنه يتقرب إلي بالنافلة حتى أحبه» .
فإن تقرب العبد إلى الله من آثار جذوة العشق والجذبة الإلهية للحق سبحانه من نتائج الحب
إذا لم تكن جذبة من طرف المعشوق
لا تفلح مساعي العاشق المسكين
فيوجب التقرب بالنوافل ، الفناء الكلي والاضمحلال المطلق والانصهار التام وتكون نتيجته «كنت سمعه الذي يسمع به الخ» وبعد هذا الفناء التام ، والمحو الكلي ، والمحق المطلق ، والصعق التام ، قد تشمله العناية الأزلية ويرجع إليه وعيه ، ويعيده إلى عالمه ويعتريه الصحو ، وتحصل له حال الأنس والطمأنينة ، وتنكشف له سبحات الجمال والجلال ، وفي هذه الحال من الصحو تتجلى في مرآة الذات ، الصفات وفيها تنكشف الأعيان الثابتة ولوازمها ، ويكون وضع أهل السلوك في هذا المقام مثل المقام الأول في أن عينه الثابتة ، تفنى في الإسم الذي تتبعه ، وتبقى معه وينكشف عليه حين الصحو الاسم نفسه والعين الثابتة التابعة لذلك الاسم .
إذن تنكشف على الإنسان الكامل ، المنطوي تحت الاسم الجامع الأعظم ، مطلق الأعيان الثابتة مع لوازمها أزلا وأبدا ، وتنكشف له حالات الكائنات واستعداداتها ، وكيفية سلوكها وطريقة وصولها وتليق به زينة الخاتمية والنبوة الخاتمة اللتان تكونتا نتيجة الكشف المطلق ، وتنكشف على بقية الأنبياء كل حسب مظهريته لإسم من الأسماء الإلهية ، وحسب إحاطة وسعة ذلك الإسم ، تنكشف ، الأعيان التابعة لذلك الإسم ، وتنطلق منها سعة دائرة الدعوة وضيقها ، والكمال والنقص ، والأشرفية وغيرها ، وتعود إلى التبعية للأسماء الإلهية . كما ذكرنا تفصيل ذلك في كتاب «مصباح الهداية» .
ومجمل الكلام ، بعد أن يتحقق الصحو بعد المحو ، يتحول وجوده إلى وجود حق ، يرى الحق سبحانه في مرآة جماله ، الموجودات الأخرى ، بل يتحول إلى موجود منسجم مع المشيئة . وإذا كان الإنسان كاملا ، انسجم مع المشيئة المطلقة ، وصارت روحانيته عين مقام الظهور الفعلي للحق عز وجل . وفي هذه الصورة يرى به الحق المتعالي ويسمع ويبطش ، ويصير هو الإرادة النافذة للحق ومشيئته الكاملة ، وعلمه الفعلي «فالحق يسمع به ويبصر به إلى آخره» ، «علي عين الله وسمع الله وجنب الله» إلى غير ذلك .
إذن إن التقرب بالفرائض يقود الإنسان إلى الصحو بعد المحو ، وتكون ثماره ما سمعته .
صفحه ۵۲۷