521

ولا يتنافى هذا الحديث الشريف مع الأحاديث الأخرى الكثيرة الواردة في باب شدة ابتلاء المؤمنين بالأسقام والأوجاع والفقر والفاقة وكافة البلايا . لأن الحق المتعالي نتيجة رحمته الواسعة وفضله العميم ، يعامل كل إنسان حسب وضعه وظروفه كي يكون في منأى من الدنيا تماما مثلما يعامل الطبيب المعالج مرضاه .

فقد يعطي لأحد ثروة ، وفي الوقت نفسه يصيبه ببلايا أخر حسب شدة إيمانه وضعفه ، كماله ونقصه ، بل أن ثروته وغناه تحف بمصائب ومحن تصرفه عن الدنيا وحبها . إن تكوين هذا الشخص يكون على شاكلة ، لو كان فقيرا لأصبح من الهالكين بصورة دائمة ، لأنه يرى السعادة في المال والجاه ، وأن أهل الدنيا هم السعداء فيتوجه إلى الدنيا وينهمك فيها ، ولكنه لو تمكن من الدنيا ، المحفوفة بالمكاره والآلام الخارجية والداخلية لانصرف عنها .

كان يقول أحد مشايخنا العظام : يحسب الإنسان أن في تعدد الزوجات دخولا في الدنيا ورغبة فيها ، في حين أن من الإبداع الفريد هو أن الإنسان عندما يدخل ويبتلى بها يخرج منها وينصرف عنها .

فإذن قد يصيب الله المؤمنين بالفقر ، لإصلاحهم ولابعادهم عن الدنيا مع أنه سبحانه يسليهم ويهون عليهم الفقر ، وقد يغدق عليهم الثراء والغنى ويتراءى للآخرين بأن الأثرياء في رفاه ورغد وبهجة وراحة ، ولكنهم يعيشون في محن وصعوبات وضيق . ولا منافاة في أن يكون أجر الفقراء المسلمين عند الحق المتعالي أكثر أيضا . كما نفهم من الروايات . وقد ذكرنا نبذة من هذا الموضوع في شرح حديث من الأحاديث السابقة .

فصل: في بيان ان الفرائض والنوافل تقرب الانسان من الله وآثار

ذلك حسب رأي اهل السلوك والعرفان

إعلم أن للسالك إلى الله ، والمهاجر من بيت النفس المظلم ، إلى الكعبة الحقيقية ، سفرا روحانيا وسلوكا عرفانيا ، حيث يكون مبدأ هذه الرحلة بيت النفس والأنانية ، ومنازل هذه الرحلة مراتب التعينات الأدناس والأنفسية والملكية والملكوتية التي عبر عنها بالحجب النورانية والظلمانية «إن لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة» أي أنوار الوجود ، وظلمات التعين أو أنوار الملكوت وظلمات الملك أو الظلمة الناتجة عن التعلقات النفسية والأنوار الطاهرة الباعثة عن التعلقات القلبية . وقد يعبر عن سبعين ألف حجاب من نور وظلمة ، بحجب سبعة بصورة مضغوطة كما ورد عن الأئمة الأطهار عليهم السلام في التكبيرات الافتتاحية السبعة للصلاة والتي تخرق كل تكبيرة حجابا . وورد في السجود على التربة الحسينية المطهرة ، خرق الاربعون حديثا :526

صفحه ۵۲۵