چهل حدیث
الاربعون حديثا
الاربعون حديثا :521
توجيه عرفاني
وأما مسلك الحكماء والعرفاء في هذا الموضوع وأمثاله ، فيختلف عن المذاهب الأخرى . ونحن لأجل صعوبة فهم مسلك الحكماء والعرفاء ، لا نسترسل في الحديث عن ذلك ولا نذكر مقاماته ، وإنما نعرض ما هو قريب على الاستيعاب والإدراك وموافق للذوق . فنقول :
لا بد من معرفة أن جميع مراتب الوجود ، من منتهى قمة عالم الملكوت وذروة عالم الجبروت إلى أسفل السافلين من عالم الظلمات والهيولى تكون مظاهر جمال الحق سبحانه وجلاله ، ومراتب تجليات الرب عز وجل ، وإن جميع الكائنات غير مستقلة في ذاتها ، وإنما هي تعلق صرف ، وربط محض ، وعين الفقر والتدلي بالذات المقدس الحق ، وإن الموجودات كافة مسخرات بأمر الحق ، ومطيعات للأوامر الإلهية . كما أن الآيات القرآنية التي أشارت إلى ذلك كثيرة ، قال تعالى :«وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى» (1) إن هذا الإثبات والنفي وما رميت إذ رميت إشارة إلى مقام الأمر بين الأمرين ، بمعنى أنك رميت ، وفي نفس الوقت أنك لم ترم بقدرتك المستقلة ، بل إنما حصل الرمي بواسطة ظهور قدرة الحق في مرآتك ، ونفوذ قدرته في عالم ملكك وملكوتك . فإذن أنت تكون راميا ، وفي نفس اللحظة يكون الحق جل وعلا راميا .
وتضاهي تلك الآية المجيدة ، الآيات الشريفة المذكورة في سورة الكهف المباركة عند بيان قصة الخضر وموسى عليهما السلام : «أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان ورائهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا * وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا * فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكوة وأقرب رحما * وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا» (2) فإن النبي الخضر عليه السلام كشف أسرار عمله لموسى ونسب مورد العمل الناقص والمعيب إلى نفسه قائلا « فأردت أن أعيبها» وفي مورد آخر ، مورد الكمال نسب العمل إلى الحق سبحانه «فأراد ربك أن يبلغا» وفي مورد ثالث نسب العمل إلى الطرفين قائلا «فأردنا أن يبدلهما ربهما» وكل ذلك يكون صحيحا .
ومن أمثال الآيات المباركات قول الله تعالى حيث يقول : «الله يتوفى الأنفس حين موتها» (3) مع أن ملك الموت هو المسؤول عن توفي النفوس .
صفحه ۵۲۱