514

الاربعون حديثا :518

قوله : «إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى» قال الشيخ المحقق البهائي رحمه الله : (الصناعة النحوية تقتضي أن يكون الموصول إسم إن والجار والمجرور خبرها ، لكن لا يخفى أنه ليس الغرض الإخبار عن أن الذي لا يصلحه إلا الفقر بعض العباد ، بل الغرض العكس . فالأولى أن يجعل الظرف اسم أن والموصول خبرها ، وهذا وإن كان خلاف ما هو المتعارف بين القوم يكن جوز بعضهم مثله في قوله تعالى : « ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر» (1) انتهى كلامه (2) .

ولعل المبتدأ يكون محذوفا في أمثال هذه الموارد ، ويكون دالا على حذف الجار ، ولا يكون مثل هذا الحذف مخالفا للقواعد النحوية . ونقل عن صحاب الكشاف (أن الجار والمجرور مبتدأ على معنى وبعض الناس أو بعض منهم من اتصف بما ذكر فيكون مناط الفائدة تلك الأوصاف ولا إستبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدءا) (3) .

ولكن لا نحتاج إلى التأويل بناءا على ما ذكرنا .

واعلم أن ذكر هذه الجملة (إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى) في هذا المقام ، لأجل إزالة الالتباس ، والإجابة على السؤال الذي يمكن أن يطرح من قبل الناس الذين لا يعرفون النظام الأتم ، والقضاء الإلهي المكنون ، وهو أن المؤمن إذا كان مقربا إلى ساحة الحق تعالى بدرجة تكون إهانته ، محاربة لله سبحانه فلماذا يبتلى بالفقر والحاجة ؟ وإذا لم تكن الدنيا ذات قدر وشأن فلماذا يصبح بعض منهم فيها أغنياء وأثرياء ؟ فأجاب الحق سبحانه بأن الحالات النفسية لعبادي مختلفة ، قلوبهم متغايرة ، فبعضهم لا يصير صالحا إلا في ظروف البؤس والفقر ، فأفقره حتى تصلح أحواله . وبعضهم يحتاج إلى الغنى والثروة حتى يتحول إلى مؤمن صالح ، فأغنيهم ، وهاتان الحالتان من كرامة المؤمن وعزة جاهه في ساحة قدس الحق تبارك وتعالى .

قوله «وما يتقرب إلي عبد من عبادي الخ» إن ذكر هذه الجملة والجملة التالية لها بيان لمقام قرب المؤمنين الكملين . فإن الله بين للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، أحوال المؤمنين ، مبتدئ ومختتما على هذا النحو بأن ذكر إجمالا حال المؤمنين بصورة مطلقة قائلا (من أهانهم فقد بارزني بالمحاربة) ثم يقسم المؤمنين إلى طائفتين بل إلى ثلاث طوائف عند أهل المعرفة .

أحداهما المؤمنون بشكل عام حيث يتكلم الحديث عنهم في جملة «ما ترددت في أمر» الاربعون حديثا :519

صفحه ۵۱۸