La Incoherencia de la Incoherencia
تهافت التهافت
قال ابو حامد قالوا لو كان العقل يدرك بآلة جسمانية كالابصار لما أدرك آلته كسائر الحواس ولكنه يدرك الدماغ والقلب وما يدعى انه آلة له فدل انه ليس آلة له ولا محلا والا لما ادركه والاعتراض على هذا كالاعتراض على الذى قبله . فانا نقول لا يبعد ان يدرك الابصار محله ولكنه حوالة على العادة . اذ نقول لم يستحيل ان تفترق الحواس فى هذا المعنى وان اشتركت فى الانطباع فى الاجسام كما سبق ولم قلتم ان ما هو قائم فى جسم يستحيل ان يدرك الجسم الذى هو محله ولم يلزم ان يحكم من جزئى معين على كلى مرسل . ومما عرف بالاتفاق بطلانه وذكر فى المنطق ان يحكم بسبب جزئى أو جزئيات كثيرة على كلى حتى مثلوه بما اذا قال الانسان ان كل حيوان فانه يحرك عند المضغ فكه الاسفل لانا استقرأنا الحيوانات كلها فرأيناها كذلك فيكون ذلك لغفلته عن التمساح فانه يحرك فكه الاعلى وهؤلاء لم يستقرئوا الا الحواس الخمس فوجدوها على وجه معلوم فحكموا على الكل به فلعل العقل حاسة أخرى تجرى من سائر الحواس مجرى التمساح من سائر الحيوانات فتكون اذن الحواس مع كونها جسمانية منقسمة الى ما يدرك محلها والى ما لا يدرك كما انقسمت الى ما يدرك مدركه من غير مماسة كالبصر والى ما لا يدرك الا باتصال كالذوق واللمس . فما ذكروه ايضا ان أورث ظنا فلا يورث يقينا موثوقا به فان قيل ولسنا نعول على مجرد الاستقراء للحواس بل نعول على البرهان ونقول لو كان القلب او الدماغ هو نفس الانسان لكان لا يغرب عنه ادراكهما حتى لا يخلو ان يعقلهما جميعا كما انه لا يخلو عن ادراك نفسه فان احدا لا يغرب ذاته عن ذاته بل يكون مثبتا لنفسه فى نفسه ابدا والانسان ما لم يسمع حديث القلب والدماغ أو لم يشاهد بالتشريح من انسان آخر لا يدركهما ولا يعتقد وجودهما فان كان العقل حالا فى جسم فينبغى أن يعقل ذلك الجسم أبدا او لا يدركه أبدا وليس واحد من الامرين بصحيح بل يعقل حالة ولا يعقل حالة . وهذا التحقيق وهو ان الادراك الحال فى محل انما يدرك المحل لنسبة له الى المحل ولا يتصور ان يكون له نسبة اليه سوى الحلول فيه فليدركه أبدا وان كان هذه النسبة لا تكفى فينبغى ان لا يدرك ابدا اذ لا يمكن أن يكون له نسبة اخرى اليه كما انه لما ان كان يعقل نفسه عقل نفسه ابدا ولم يغفل عنه بحال قلنا الانسان ما دام يشعر بنفسه ولا يغفل عنه فانه يشعر بجسده وجسمه نعم لا يتعين له اسم القلب وصورته وشكله ولكنه يثبت نفسه جسما حتى يثبت نفسه فى ثيابه وفى بيته والنفس الذى ذكروه لا يناسب البيت والثوب فاثباته لاصل الجسم ملازم له وغفلته عن شكله واسمه كغفلته عن محل الشم وانهما زائدتان فى مقدم الدماغ شبيهتان بحلمتى الثدى فان كل انسان يعلم انه يدرك الرائحة بجسمه ولكن محل الادراك لا يتشكل له ولا يتعين وان كان يدرك انه الى الرأس اقرب منه الى العقب ومن جملة الرأس الى داخل الانف أقرب منه الى داخل الاذن فكذلك يشعر الانسان بنفسه ويعلم ان هويته التى بها قوامه الى قلبه وصدره أقرب منه الى رجله فانه يقدر نفسه باقيا مع عدم الرجل ولا يقدر على تقدير نفسه باقيا مع عدم القلب فما ذكروه من أنه يغفل عن الجسم تارة وتارة لا يغفل عنه ليس كذلك
Página 565