506

La Incoherencia de la Incoherencia

تهافت التهافت

[27] قال ابو حامد وفيه الخلاص من هذه التشنيعات وهو ان نسلم ان النار خلقت خلقة اذا لاقاها قطنتان متماثلتان أحرقتهما ولم تفرق بينهما اذا تماثلتا من كل وجه ولكنا مع هذا نجوز ان يلقى نبى فى النار فلا يحترق اما بتغيير صفة النار أو بتغيير صفة النبى فيحدث من الله تعالى أو من الملائكة صفة من النار يقصر سخونتها على جسمها بحيث لا تتعداه فيبقى معها سخونتها وتكون على صورة النار وحقيقتها ولكن لا تتعدى سخونتها واثرها أو يحدث فى بدن الشخص صفة ولا يخرجه عن كونه لحما وعظما فيدفع اثر النار . فانا نرى من يطلى نفسه بالطلق ثم يقعد فى تنور موقد ولا يتأثر به والذى لم يشاهد ذلك ينكره فانكار الخصم اشتمال القدرة على اثبات صفة من الصفات فى النار أو فى البدن يمنع الاحتراق كانكار من لم يشاهد الطلق واثره وفى مقدورات الله غرائب وعجائب ونحن لم نشاهد جميعها فلم ينبغى ان ننكر امكانها ونحكم باستحالتها . وكذلك احياء الميت وقلب العصا ثعبانا يمكن بهذا الطريق وهو ان المادة قابلة لكل شىء فالتراب وسائر العناصر يستحيل نباتا ثم النبات يستحيل عند أكل الحيوان له دما ثم الدم يستحيل منيا ثم المنى ينصب فى الرحم فيتخلق حيوانا وهذا بحكم العادة واقع فى زمان متطاول فلم يحيل الخصم ان يكون فى مقدور الله تعالى ان يدير المادة فى هذه الاطوار فى وقت أقرب مما عهد فيه واذا جاز فى وقت أقرب فلا ضبط للاقل فتستعجل هذه القوى فى عملها ويحصل به ما هو معجزة للنبى فان قيل وهذا يصدر من نفس النبى أو من مبدأ آخر من المبادئ عند اقتراح النبى قلنا وما سلمتموه من جواز نزول الامطار والصواعق وتزلزل الارض بقوة نفس النبى يحصل منه أو من مبدأ آخر فقولنا فى هذا كقولكم فى ذلك والاولى بنا وبكم اضافة ذلك الى الله تعالى اما بغير واسطة أو بواسطة الملائكة . ولكن وقت استحقاق حصولها انصراف همة النبى اليه وتعين نظام الخير فى ظهوره لاستمرار نظام الشرع فيكون ذلك مرجحا جهة الوجود ويكون الشىء فى نفسه ممكنا والمبدأ به سمحا جوادا ولكن لا يفيض منه الا اذا ترجحت الحاجة الى وجوده وصار الخير متعينا فيه ولا يصير الخبر متعينا فيه الا اذا احتاج نبى فى اثبات نبوته اليه لافاضة الخير فهذا كله لائق بمساق كلامهم ولازم لهم مهما فتحوا باب الاختصاص للنبى بخاصية تخالف عادة الناس فان مقادير ذلك الاختصاص لا ينضبط فى العقل امكانه فلم يجب معه التكذيب لما تواتر نقله وورد الشرع بتصديقه . وعلى الجملة لما كان لا يقبل صورة الحيوان الا النطفة وانما تفيض القوى الحيوانية عليها من الملائكة التى هى مبادئ الموجودات عندهم ولم يتخلق قط من نطفة الانسان الا انسان ومن نطفة الفرس الا فرس من حيث ان حصوله من الفرس أوجب ترجيحا لمناسبة صورة الفرس على سائر الصور فلم يقبل الا الصورة المترجحة بهذا الطريق ولذلك لم ينبت قط من الشعير حنطة ولا من بذر الكمثرى تفاح ثم رأينا اجناسا من الحيوانات تتولد من التراب ولا تتوالد قط كالديدان ومنها ما يتولد ويتوالد جميعا كالفار والحية والعقرب وكان تولدها من التراب ويختلف استعدادها لقبول الصور بامور غائبة عنا ولم يكن فى القوة البشرية الاطلاع عليها اذ ليس تفيض الصور عندهم من الملائكة بالتشهى ولا جزافا بل لا يفيض على كل محل الا ما تعين قبوله له بكونه مستعدا فى نفسه والاستعدادات مختلفة ومبادئها عندهم امتزاجات الكواكب واختلاف نسب الاجرام العلوية فى حركاتها . فقد انفتح من هذا ان مبادى الاستعدادات فيها غرائب وعجائب حتى توصل ارباب الطلسمات من علم خواص الجواهر المعدنية وعلم النجوم الى مزج القوى السماوية بالخواص المعدنية فاتخذوا اشكالا من هذه الارضية وطلبوا لها طالعا مخصوصا من الطوالع وأحدثوا بها أمورا غريبة فى العالم فربما دفعوا الحية والعقرب عن بلد والبق عن بلد الى غير ذلك من امور تعرف من علم الطلسمات . فاذا خرجت عن الضبط مبادى الاستعدادات ولم نقف على كنهها ولم يكن لنا سبيل الى حصرها فمن أين نعلم استحالة حصول الاستعداد فى بعض الاجسام للاستحالة فى الاطوار فى أقرب زمان حتى يستعد لقبول صورة ما كان يستعد لها من قبل وينتهض ذلك معجزة . ما انكار هذا الا لضيق الحوصلة والانس بالموجودات العالية والذهول عن اسرار الله سبحانه فى الخلقة والفطرة ومن استقرأ عجائب العلوم لم يستبعد من قدرة الله تعالى ما يحكى من معجزات الانبياء بحال من الاحوال فان قيل فنحن نساعدكم على ان كل ممكن مقدور لله تعالى وأنتم تساعدون على ان كل محال فليس بمقدور ومن الاشياء ما يعرف استحالتها ومنها ما يعرف امكانها ومنها ما يقف العقل فلا يقضى فيه باستحالة ولا امكان فالآن ما حد المحال عند كم فان رجع الى الجمع بين النفى والاثبات فى شىء واحد فقولوا ان كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا فلا يستدعى وجود أحدهما وجود الآخر . وقولوا ان الله تعالى يقدر على خلق ارادة من غير علم بالمراد وخلق علم من غير حيوة ويقدر على ان يحرك يد ميت ويقعده ويكتب بيده مجلدات ويتعاطى صناعات وهو مفتوح العين محدق بصره نحوه ولكنه لا يرى ولا حيوة فيه ولا قدرة له عليه وانما هذه الافعال المنظومة يخلقها الله تعالى مع تحريك يده والحركة من جهة الله تعالى وبتجويز هذا يبطل الفرق بين الحركة الاختيارية وبين الرعدة فلا يدل الفعل المحكم على العلم ولا على قدرة الفاعل . وينبغى ان يقدر على قلب الاجناس فيقلب الجوهر عرضا ويقلب العلم قدرة والسواد بياضا والصوت رائحة كما اقتدر على قلب الجماد حيوانا والحجر ذهبا ويلزم عليه أيضا من المحالات ما لا حصر له والجواب ان المحال غير مقدور عليه والمحال اثبات الشىء مع نفيه أو اثبات الاخص مع نفى الاعم أو اثبات الاثنين مع نفى الواحد وما لا يرجع الى هذا فليس بمحال وما ليس بمحال فهو مقدور . اما الجمع بين السواد والبياض فمحال لانه يفهم من اثبات صورة السواد فى المحل نفى هيئة البياض ووجود السواد فاذا صار نفى البياض مفهوما من اثبات السواد كان اثبات البياض مع نفيه محالا . وانما لا يجوز كون الشخص فى مكانين لانا نفهم من كونه فى البيت عدم كونه فى غير البيت فلا يمكن تقديره فى غير البيت مع كونه فى البيت المفهم لنفيه عن غير البيت . وكذلك يفهم من الارادة طلب معلوم فان فرض طلب ولا علم لم تكن ارادة فكان فيه نفى ما فهمناه . والجماد يستحيل ان يخلق فيه العلم لانا نفهم من الجماد ما لا يدرك فان خلق فاه ادراك فتسميته جمادا بالمعنى الذى فهمناه محال وان لم يدرك فتسميته علما ولا يدرك به محله شيئا محال فهذا وجه استحالته . واما قلب الاجناس فقد قال بعض المتكلمين انه مقدور لله تعالى فنقول مصير الشىء شيئا آخر غير معقول لان السواد اذا انقلب قدرة مثلا فالسواد باق أم لا فان كان معدوما فلم ينقلب بل عدم ذاك ووجد غيره وان كان موجودا مع القدرة فلم ينقلب ولكن انضاف اليه غيره وان بقى السواد والقدرة معدومة فلم ينقلب بل بقى على ما هو عليه واذا قلنا انقلب الدم منيا أردنا به ان تلك المادة بعينها خلعت صورة وليست صورة اخرى فرجع الحاصل الى ان صورة عدمت وصورة حدثت وثم مادة قائمة تعاقب عليها الصورتان واذا قلنا انقلب الماء هواء بالتسخين أردنا به أن المادة القابلة لصورة المائية خلعت هذه الصورة وقبلت صورة اخرى فالمادة مشتركة والصفة متغيرة وكذلك اذا قلنا انقلب العصا ثعبانا والتراب حيوانا وليس بين العرض والجوهر مادة مشتركة ولا بين السواد والقدرة ولا بين سائر الاجناس مادة مشتركة فكان هذا محالا من هذا الوجه . وأما تحريك الله تعالى يد ميت ونصبه على صورة حى يقعد ويكتب حتى يحدث من حركة يده الكتابة المنظومة فليس بمستحيل فى نفسه مهما احلنا الحوادث الى ارادة مختار وانما هو مستنكر لاطراد العادة بخلافه . وقولكم تبطل به دلالة احكام الفعل على علم الفاعل فليس كذلك فان الفاعل الآن هو الله تعالى وهو المحكم وهو فاعل له . واما قولكم انه لا يبقى فرق بين الرعشة والحركة المختارة فنقول انما ادركنا ذلك من انفسنا لانا شاهدنا من أنفسنا تفرقة بين الحالتين فعبرنا عن ذلك الفارق بالقدرة فعرفنا ان الواقع من القسمين الممكنين أحدهما فى حالة والآخر فى حالة وهو ايجاد الحركة مع القدرة عليها فى حالة وايجاد الحركة دون القدرة فى حالة اخرى . وأما اذا نظرنا الى غيرنا ورأينا حركات كثيرة منظومة حصل لنا علم بقدرتها فهذه علوم يخلقها الله تعالى بمجارى العادات يعرف بها وجود احد قسمى الامكان ولا يتبين به استحالة القسم الثانى كما سبق

[28] قلت لما رأى ان القول بان ليس للاشياء صفات خاصة ولا صور عنها تلزم الافعال الخاصة بموجود موجود هو قول فى غاية الشناعة وخلاف ما يعقله الانسان سلمه فى هذا القول ونقل الانكار الى موضعين احدهما انه قد يمكن ان توجد هذه الصفات للموجود ولا يوجد لها تأثير فيما جرت به عادته ان يؤثر فيه مثل النار مثلا فانه يمكن ان توجد الحرارة لها ولا تحرق ما تدنو منها وان كان شأنه ان يحترق اذا دنت منه النار والموضع الثانى انه ليس للصور الخاصة بموجود موجود مادة خاصة

Página 537