558

Méritos de los Virtuosos

مآثر الأبرار

قال في (كاشفة الغمة): وكان مع غزارة علمه لما ناظره السيد يحيى حصره وظهر عليه، حتى قال السيد يحيى وقد علق تلك المسائل التي وقع فيها المراجعة، وهي قدر اثنتي عشرة مسئلة، أجاب الإمام عليها بكذا وهو غلط، وفي هذه بكذا وهو غلط، وغلطه في أكثر تلك المسائل، قال: وكان المتولي لا يرادها عن السيد يحيى ولده الهادي بن يحيى، واعلم أن المناظرات سهام تخطي وتصيب، فكم من عالم مبرز إذا جوثي للركب، وطولب البحث تشتت نظره وتقالبت فكرته، وتبلدت عليه قريحته، ورأيته لاحقا، وإن كان من قبل سابقا، ولهذا قال العلماء في حق الحاكم: إنه يستحضر أهل العلم في حال قضائه؛ إلا أن يكون ذلك يشغله عن استيفاء النظر، ويذهب جودة أفكاره.

قلت: ويؤيده أن الرواة ذكروا أن الحريري صنف من (مقاماته) قدر أربعين مقامة، وتقدم بها إلى حضرة الوزير أنو شروان بن خالد، فلم يصدق دعواه جماعة من أدباء بغداد، وقالوا: هي لمغربي مات، ووقعت أوراقه مع الحريري، فأمره الوزير بإنشاء رسالة، فلم يفتح عليه بشيء، وقام خجلا، فهجاه علي بن أفلح الشاعر بقوله:

شيخ لنا من ربيعة الفرس

ينتف عثنونه من الهوس

والقصة مشهورة، وكما لم يقدح هذا في غزارة علم الحريري وفصاحته، فكذا إن صح أن الإمام يحيى أحصر، فلم يقدح ذلك في تبحره في العلم، فإن الحريري لما خلى بنفسه أنشأ العشر الآواخر من مقاماته، وأرسل بها إلى الوزير واعتذر أن هيبة الحضرة الوزيرية أدهشته، ففهم الوزير نزاهته مما نسبه أعداؤه إليه؛ لأنها عادة الأضداد والحساد، ولله القائل:

Página 280