382

وأما قولهم: (إن العالم الحكيم لا يرسل الرسل وهو يعلم أنه يعصى). فالحجة [عليهم] أنه لما جاز أن يكلف الله عباده التكليف العقلي، وأراد منهم العمل بما كلفهم -وهو يعلم أن بعضهم يعمل بما كلفه وينتفع به، وبعضهم لا يعمل بما أراد منه ولا ينتفع به- فكذلك التكليف الشرعي يجوز أن يرسل الله الرسل إلى عباده وهو يعلم أن منهم من يطيع وينتفع ومنهم من لا ينتفع ولا يطيع، ولولا إرسال الله الرسل لما تبين المطيع من العاصي، ولو عذب الله العاصي ولم يرسل إليه رسولا لقال: لو جاءني رسول لأطعت ولعملت ما أمرت به. وقد قال الله تعالى: {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى}[طه:134].

وأيضا فإن الله تعالى ما خلق المتعبدين إلا للعبادة، وقد علم أن أكثرهم لا يعبدونه، فلم يمنعه علمه بمعصية من يعصيه عن خلق المتعبدين ، وتعبدهم لما علم أنه يلحق المطيعين من الصلاح والانتفاع؛ ولأن تبلغ الحجة على العاصين فكذلك الإرسال من الله تعالى.

وأنكرت اليهود نسخ الشرائع مع جحدهم لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد عرفوه ووجدوه مكتوبا عندهم في التوراة كما قال تعالى: {النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل}[الأعراف:157]. ورووا عن موسى عليه السلام أنه قال: (إن شريعتي لا تنسخ أبدا).

Página 458