عند غيري .. وعلى كل حال. فإن العلماء جمعوا بين حديث لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد. وترخيصه ﷺ لمن صلى في رحله بأن النهي محمول على نفي الكمال، أو الفضيلة حتى إن الحنابلة الذين قالوا بوجوب الجماعة لم يشترطوا أن تكون في المسجد، وحملوا قوله ﷺ ((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)) على نفي الكمال والفضيلة فإن الأخبار الصحيحة دالة على أن الصلاة في غير المسجد صحيحة جائزة، بهذا يظهر أن الجمهور يحمل النفي على الكمال أو الفضيلة لا على الصحة(١٧٨).
وبهذا يندفع التعارض بين الحديثين وهنا إشكال وهو ما الفرق إذاً بين الجمهور والحنابلة حيث ان الجميع حملوا الحديث على نفي الكمال أو الفضيلة؟
الفرق هو أن الحنابلة حملوه على نفي الصحة في الدلالة على صلاة الجماعة وحملوه على نفي الكمال والفضيلة في الدلالة على الصلاة في المسجد أما الجمهور فقد حملوه على نفي الكمال والفضيلة في كلا الأمرين.
سادساً، الجمع بتوزيع الحكم
وهذا النوع قريب من الجمع بالتنويع، إذ معناه أن يجعل بعض أفراد الحكم ثابتاً بأحد الدليلين المتعارضين وبعضها منفياً بدليل آخر.
مثاله قسمة المدعي بين مدعيين، يدعي كل واحد منهما إياه كاملاً وثبت دعوى كل منهما بحجته، فيوزع المدعي بينهما عملاً بحجة كل منهما(١٧٩).
المثال الثاني، روى أن رسول الله ﷺ قال لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول. ولا تستدبروها ولكن شرقوا وغربوا(١٨٠) مع ما روى عن ابن عمر أنه ارتقى فوق ظهر بيت حفصة فرأى رسول الله ﷺ يقضي حاجته وهو مستدبر القبلة(١٨١) وأيضاً مع ما روى عن جابر رضي الله عنه قال نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببول. فرأيته قبل أن يقبض
(١٧٨) انظر المغني ج ٢/١٧٨ و/١٧٩.
(١٧٩) أدلة التشريع المتعارضة ص ١٨١.
(١٨٠) رواه مسلم في صحيحه سنداً عن أبي أيوب بلفظه في كتاب الطهارة ج ١ ص ٢٢٤ حديث ٥٩.
(١٨١) رواه مسلم في صحيحه بلفظه عن ابن عمر رضي الله عنهما ((كتاب الطهارة) ج ١ ص ٢٢٥، حديث/٦٢ و/٦١