الحديث الثاني . صحة صلاته في غير المسجد فهما متعارضان. وقد جمع بين الحديثين بحمل الحديث الأول على نفي الكمال. أو نفي الفضيلة ومعنى نفي الكمال هو أن تكون الصلاة صحيحة لكن ليست كاملة. ونفي الفضيلة يعني أن الصلاة تكون صحيحة لكنها مفضولة لخلل طرأ عليها.
ومعنى نفي الصحة أن الصلاة لا تكون صحيحة لمن صلى في بيته وهو قريب من المسجد ورُوي ذلك عن عطاء(١٥٨) والأوزاعي(١٥٩) وأبي ثور(١٦٠) هو مذهب الحنابلة. وحمله الجمهور على نفي الكمال، أو الفضيلة.
واستدل الحنابلة على مذهبهم بقوله تعالى ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾(١٦١) ولو لم تكن واجبة لرخص لهم فيها في حالة الخوف.
وبحديث ((لقد هممت أن آمر بحطب ليحتطب ثم أمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلاً فيؤم الناس ثم أخالف على رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم))(١٦٢).
واستدل الجمهور بقول النبي ﷺ («تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة(١٦٣) ولأن النبي ﷺ لم ينكر على اللذين قالا صلينا في رحالنا(١٦٤) ولو كانت واجبة لأنكر عليهم، ولأنها لو كانت واجبة في الصلاة لكانت شرطاً لها كالجمعة(١٦٥).
ويرد الجمهور بأن ما استدل به الحنابلة من قوله ﷺ ((لقد هممت الحديث)) بقولهم إن هذا الحديث يستنبط منه عدم الوجوب لكونه ﷺ همّ بالتوجه إلى المتخلفين. فلو كانت الجماعة في المسجد فرض عين ما همّ بتركها وردّ هذا بأن الواجب يجوز تركه إلى ما هو أوجب منه.
ثم قالوا، أي الجمهور، لو كانت فرضاً لقال حين توعد بإحراق بيوت من تخلف عن الجماعة لم تجزئه صلاته لأنه وقت البيان.
(١٥٨) مرت ترجمته في ص٥٥.
(١٥٩) مرت ترجمته في ص ٥٩.
(١٦٠) مرت ترجمته في ص ٢١٤.
(١٦١) النساء ((١٠٢)).
(١٦٢) رواه ابن ماجه في كتاب المساجد ٤ باب/١٦ حديث/٧٨٧/ج ٢٥٨/١.
(١٦٣) رواه البخاري عن أبي هريرة بنحو هذا اللفظ كتاب الإيمان / ١٠ باب/٣١ ج ١ ص ١٥٩.
(١٦٤) رواه أحمد في مسنده عن يزيد بن الأسود ج ٤ ص ١٦٠ تصوير استانبول دار الدعوة.
(١٦٥) المغني لابن قدامة ج ٢/١٧٦.