الثاني على حال الشدة والحر وتوقع الإصابة بالضرر إذا هم مشوا في الحر وقال ابن قتيبة (١٤٨) رحمه الله:
(إن أول الأوقات رضوان الله وآخرها عفو الله) (١٤٩) والعفو لا يكون إلا عن تقصير فيكون أول الأوقات أوكد وآخرها رخصة. فالحديث الأول يقتضي أن الرسول ﷺ أخذ بالأعلى أي بالعزيمة وفي الثاني أخذ بالرخصة دفعاً للمشقة (١٥٠).
المثال الثاني، ومما مثلوا به للجمع باختلاف الحال قوله تعالى ﴿فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ (١٥١) وقراءة حفص بنصب اللام في ((أرجلكم)) وهناك قراءة أخرى بجر اللام فيها ((والقراءتان مشهورتان فمن قرأ)) وأرجلكم - بالنصب عطف على المغسول، وهو الوجه، فأوجب غسل الرجلين ونفى جواز الاكتفاء بالمسح ومن قرأ بالخفض عطف على الممسوح وهو الرأس فأوجب مسح الرجلين لا غير فكان التعارض بين القراءتين. وقد دفع هذا التعارض بالجمع باختلاف الحال وذلك بحمل قراءة النصب على حال ظهور القدمين وحمل قراءة الجر على حال استتارهما بالخفين وإنما صح هذا الحمل وإرادة مسح الخف مع إضافة المسح إلى الرجل، لأن الخف لما أقيم مقام بشرة القدم لاتصاله بها صار مسحه بمثابة مسح القدم، وصار إضافة المسح إلى الرجل وإرادة الخف منها بمنزلة غسل القدم، لأن الخف حيث قام مقام بشرة القدم كان المسح مصادفاً بشرةً القدم تقديراً، كما أن الغسل يصادف بشرة القدم تحقيقاً. فصح إضافة المسح إلى الرجل وتكون فائدة ذكر الرجل دون الخف هي أن المسح لو أضيف إلى الخف بأن قال: فامسحوا برؤوسكم، وخفافكم لأوهم جواز المسح على الخف وان كان غير ملبوس. ففي ذكر الرجل وإرادة الخف إزالة هذا الوهم (١٥٢).
وذهب البعض الآخر إلى أن القراءة بالخفض، وان كانت معطوفة على الرأس فهي موجبة للغسل أيضاً، لأنه أريد بالمسح الغسل في حق الرجل مشاكلة وللتفاوت بين الفعلين.
(١٤٨) مرت ترجمته في ص ١٨٨.
(١٤٩) هذا حديث أخرجه الترمذي في سننه كتاب الصلاة /٢ باب/١٢٧ ما جاء في الوقت الأول من الفصل عن ابن عمر نحوه-ج ١ ص ٣٢١ حديث /١٧٢ وذكره في الفتح الكبير وعزاه للدارقطني بنحوه عن جرير وعن أبي محذورة بزيادة ((ووسط الوقت رحمة الله)) ٤٦٦/١، وأخرجه الدارقطني في سننه ص ٩٢.
(١٥٠) باختصار من كتاب تأويل مختلف الحديث ص ٧٤ و٧٥ ونحوه في نيل الأوطار ٣٨٥/١.
(١٥١) المائدة (٦).
(١٥٢) كشف الأسرار عن أصول البزدوي ج ٣ ص ٩٣ الطبعة الجديدة بالاوفست.