والنبى يقتضي التحريم، واقتضى الحديث الثاني إباحة الحجامة وأجرتها ، فكان بينهما تعارض.
وللعلماء في دفع هذا التعارض أقوال كثيرة منها ما هو قريب ومنها ما هو بعيد.
فمن الأقوال هو أن يقيد النهي في صورة ما إذا كانت الأجرة على عمل غير معلوم ويقيد الجواز فيما إذا كانت الأجرة على عمل معلوم، وهذا القول ذكره صاحب سبل السلام(١٣٤) وفيه نظر فإن الحجامة ليس فيها عمل معلوم وآخر مجهول.
القول الثاني، هو أن يقيد النهي بكونه للكراهة التنزيهية. القرينة أذنه ﷺ بالانتفاع بها في بعض المنافع وباعطائه ﷺ الأجرة لمن حجمه.
القول الثالث، لبعض أهل العلم ذكره الخطابي(١٣٥) في معالم السنن وهو التفريق بين العبد والحر، فإن كان الحجام حراً فهو محرم، واحتج بحديث (كسب الحجام خبيث) وان كان عبداً فإنه مباح ويعلفه نواضحه وينفقه على دوابه، وتعقبه الخطابي بأنه يذهب في التفريق بينهما مذهباً ليس له معنى صحيح وكل شيء حل من المال للعبيد حل للأحرار. والعبد لا ملك له، ويده يد سيده، وكسبه كسبه(١٣٦).
أما الخطابي نفسه، فقد جمع بينهما على هذا النحو ((وهو أن أجرة الحجام ليست بحرام وان خبثها من قبل دناءة مخرجها، يدل عليه قول ابن عباس رضي الله عنه احتجم رسول الله وأعطى الحجام أجره ولو كان حراً ما لم يعطه فكسب الحجام مباح وإنما وجهه التنزيه عن الكسب الدنيء والترغيب في تطهير الطعم والارشاد إلى ما هو أطيب وأحسن، وبعض الكسب أغلى وأفضل وبعضه أدنى وأوكس(١٣٧) وقد تقدم مثله في القول الثاني.
(وأرى) أن يجمع بين الحديثين على هذا النحو وهو أن يقيد الأذن بالحجامة في حال الحاجة، وان ينتفع بهذا الكسب في نحو علف الدواب وما أشبه ذلك من وجوه الإنفاق اما أن يأكله هو فالظاهر الجواز مع الكراهة. ويؤيد هذا التأويل روايات صريحة صحيحة. أولها ما رواه
(١٣٤) سبل السلام ج ٣ ص ١١٠ الطبعة الثانية.
(١٣٥) الخطابي: هو محمد بن محمد بن ابراهيم بن الخطاب البستي أبو سليمان فقيه محدث من نسل زيد بن الخطاب له معالم السنن طبع في شرح سنن أبي داود وبيان اعجاز القرآن وإصلاح غلط المحدثين وغير ذلك انظر الاعلام للزركلي ج ٣٠٤/٢ ط ثالثة.
(١٣٦) معالم السنن للخطابي المطبوع على حاشية سنن أبي داود ج ٣ ص ٧٠٧ , ٧٠٨.
(١٣٧) المرجع السابق نفس الجزء، والصفحات، والحديث سبق تخريجه.